الجمعة 29 شوال 1423 هـ الموافق 3 يناير 2003 «رأس السنة» ـ كل عام وانتم بخير ـ اسم او عبارة كانت قبل سنوات تثير في الوجدان فيضا من مشاعر الاستبشار والفرح، والامل والرجاء، لكنها في زماننا العسير لم تعد تثير الا الشجون والقلق والتوجس والمخاوف، مما يتراءى في جعبتها من جرائم وحشية متواصلة ومؤامرات واستعدادات لحروب عدوانية ضارية. الخواطر التي يثيرها «رأس السنة» ـ هذا العام ـ خواطر بائسة، لا يكاد ينجو من بؤسها قلم كاتب او عقل قاريء، لهذا رأيت توجيه خواطري حول «رأس السنة» الى رحاب لغتنا «الجميلة». «رأس السنة» ـ قبل كل شيء ـ هو من الفعل: رأس (بفتح الهمزة) يرأس (بفتح الهمزة ايضا) رئاسة (بكسر الراء) ورآسة (بفتح الراء) ورياسة (بكسر الراء). ويتحذلق بعضهم فيقول «يرئس» (بكسر الهمزة) وهذا خطأ، والصواب: يرأس (بفتح الهمزة). وهناك الفعل «رئس» (بكسر الهمزة) «يرأس» (بفتحها) ومعناه: عظم رأسه فهو «أرأس» اي عظيم الرأس، وهي «رأساء» وهم «رؤس» (بضم الراء وتسكين الهمزة). وهناك «رئس» (بضم الراء وكسر الهمزة) ومعناه: شكا رأسه، فهو مرءوس شفاه الله. ويقال: «ترأس وارتأس» على القوم، بمعنى: صار رئيسهم، كقولنا: ترأس الوزير الاجتماع. و«الرأس» اسم مذكر، ومن الخطأ الشائع تأنيثه وجمعه «رءوس وأرؤس» وشواهد ذلك كثيرة، ففي القرآن الكريم: «قال رب اني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا» وفي الامثال: «كل رأس به صداع» و«رب رأس حصيد لسان». و«كأن على رءوسهم الطير». ويقول الشاعر: قد شاب رأسي، ورأس الحرص لم يشب ان الحريص على الدنيا لفي تعب وقد تسهل الهمزة فيقال: راس، كما في قول الشاعر: ما شبت من طول السنين وانما طول الملامة فيك شيب راسي ومن ظريف شعر ابي دلامة، حين دعى الى الحرب: يقول لي الامير بغير نصح: تقدم، حين جد بنا المراس فمالي ان اطعتك من حياة ومالي غير هذا الراس راس ويستعمل لفظ «رأس» في تعابير مجازية وبلاغية كثيرة، فيقال: «ركب رأسه» بمعنى: كابر وعاند، و«رفع رأسنا» بمعنى: شرفنا، و«اتجه رأسا» الى كذا بمعنى: اتجه اليه ابتداء دون ابطاء، وهو «على رأس عمله» اي قائم به مباشر له، و«قلبه رأسا على عقب» اي جعل عاليه سافله، و«لوى رأسه» اي عطفه وثناه كناية عن التكبر والاعراض، كما في الآية الكريمة: «واذا قيل لهم تعالوا يستغفر لكم رسول الله لووا رءوسهم»، و«مسقط الرأس» اي محل الميلاد، و«على العين والرأس» اي بكل رضا وسرور، و«على رءوس الاشهاد» اي بمرأى ومسمع من الجميع. و«الرأس»: اعلى الشيء، كرأس الانسان، ورأس الجبل، ورأس الحربة، الذي يتخذ كناية لاداة العدوان، كما في قولنا: «اسرائيل رأس حربة للاستعمار». و«الرأس»: اقصى امتداد الشيء، «كرأس البر» الذي هو جزء من البر ممتد في البحر، و«رأس الرجاء الصالح» الذي هو الطرف الجنوبي لقارة افريقيا، و«رأس الزاوية» الذي هو ملتقى ضلعيها. و«الرأس»: يقال لاهم اجزاء الشيء، ومصدر قوة تأثيره، واعلى درجاته، كما في قولنا: رأس القوم اي سيدهم، و«رأس الفتنة» اي اساسها. ومن ذلك قولهم في المثل: «رأس الحكمة مخافة الله» و«رأس الدين صحة اليقين». ومن الكنى البليغة «رأس الحية» اي مصدر الشر والخطر، كما في قول الشاعر: لا تقطعن ذنب الافعى وترسلها ان كنت شهما فأتبع رأسها الذنبا ويقال: «رأس» للفرد من المواشي بخاصة، كما في قولنا: «عشرون رأسا من الغنم». ويقال «رأس المال» وهو اصل المال المستثمر في عمل ما وفي القرآن الكريم: «وان تبتم فلكم رءوس اموالكم لا تظلمون ولا تظلمون» ومن استعمالاته المجازية اللطيفة قول الشاعر بهاء الدين زهير: ورأس مالك وهو الروح قد سلمت لا تأسفن لشيء بعدها ذهبا ومن ظريف الشعر قول الثعالبي: اذا تمنيت بت الليل مغتبطا ان المنى رأس اموال المفاليس «والرأسمالية» (بوصل الكلمتين في الكتابة) نسبة الى رأسمال (رأس مال)، وهي النظام الاقتصادي الذي تكون فيه وسائل الانتاج ملكا لاصحاب الاموال المستثمرة. و«رأس السنة»: هو اول ايام السنة، الذي يبدأ عقب انتصاف ليلته. ومثله: رأس الشهر. ومن الاسماء المشتقة: «الرئيس» وجمعه: «رؤساء»، والمؤنث: «رئيسة» وجمعها «رئيسات». والرئيس: سيد القوم، والمسئول الاول عن عمل ما، كرئيس التحرير في الصحيفة، ورئيس الوزراء، ورئيس الجلسة، والرئيس ايضا صفة بمعنى: الاساسي، نقول: الاعضاء الرئيسة في الجسم، اي التي لايعيش الانسان بفقدها مثل القلب والكبد والدماغ والرئتين والكلية وقد اجاز مجمع اللغة العربية النسبة الى الرئيس، اي ان يقال مثلا: الاعضاء الرئيسة، او الاعضاء الرئيسية، فكلاهما صواب. وقد تسهل همزة «الرئيس»، فيقال: «الريس» (بالياء)، كما في قول الشاعر الكميت: «تهدى الرعية ما استقام الريس» وكما في قول خليل مطران الذي يصدق في حال العرب اليوم: وهل من صلاح للبلاد واهلها اذا الشأن فيها ساسه ألف ريس؟