الجمعة 29 شوال 1423 هـ الموافق 3 يناير 2003 عاش العرب حوادث كثيرة ـ بلغت حدود المآسي ـ خلال العام 2002. وأدت هذه الحوادث إلى نزع كل الرتوش عن الواقع العربي، وتشابكات هذا الواقع مع الخارج، خصوصا مع الولايات المتحدة الاميركية. بل ان هذه الحوادث وضعت الجميع امام استحقاقات لم يكن لأي طرف عربي أن يتصور حجم أو مقدار خطورتها. إذ شهد العام المنصرم ـ على ذمة احداث سبتمبر السابقة عليه ـ تراشقاً سياسياً واعلامياً طرفاه العرب والمسلمون من جانب والولايات المتحدة من جانب آخر. هذا التراشق جرى حول المسئولية عما جرى في الحادي عشر من سبتمبر. ووصل هذا التراشق إلى حد خلخلة كثير من ثوابت السياسة في المنطقة، تلك الثوابت التي ظلت راسخة لأكثر من نصف قرن. فعندما جاءت لحظة الحساب وجدت حكومات عربية كثيرة نفسها مسلحة فقط بأوهام الصداقة، حيث وضع الأميركيون الجميع في خانة واحدة هي «الارهاب». الولايات المتحدة من جانبها القت بكل اللائمة على العرب والمسلمين واتهمت النظم العربية بأنها المسئولة عن تفريخ «الارهاب» وأرجعت ما جرى لها إلى الحقد الكامن في نفوس العرب على التقدم والنعيم والرفاهية الأميركية، في مقابل تخلف العرب. وبرأت نفسها وسياساتها تماما من أي وزر. أما العرب والمسلمون ـ حكومات وشعوباً ـ فقد ألقوا بمسئولية ما جرى على المنفذين وحدهم وعلى السياسات الأميركية المنحازة لإسرائيل دون أن يعترف أي طرف عربي بأي أسباب أخرى، مما قالت به واشنطن. وهكذا أمسك كل طرف بجزء من المشكلة، رغم انه من الممكن أن تكون كل هذه الأسباب مجتمعة علقت بأذهان المخططين والمنفذين لحوادث سبتمبر. ولو أن كل طرف (العرب والأميركيين). تبادلا الأدوار ـ افتراضيا ـ لرأى كل منهما الحجم الحقيقي للمشكلة، ولعرف أسبابها. لأن الطرفين بالفعل مسئولان عن الأجواء التي قادت إلى هذا التناقض. فالولايات المتحدة بجبروتها وتعنتها الدائم تجاه الحقوق العربية والانحياز الكامل لإسرائيل شحنت النفوس ـ ولا تزال ـ بالغضب والكراهية. أما العرب وخصوصا الحكومات فهي مسئولة بفشلها في نشر أجواء التسامح المستندة إلى اطلاق الحريات العامة، وتحقيق التنمية الشاملة، والحفاظ على الاستقلال الوطني وحمايته من التبعية ـ المرغوبة حكوميا - لواشنطن. وعلى هذا النحو مضى العام المنصرم وكل طرف متشبث بما يرى أنه الصواب، حتى ولو كان هذا الصواب ناقصا أو غير منطقي، ودليل ذلك ما جاء في «مبادرة الشراكة من أجل الديمقراطية»، التي اطلقها وزير الخارجية الأميركي كولن باول في الثاني عشر من ديسمبر الماضي، فباول لم يخرج عما قالته بلاده على مدى العام من كلام مكرر وممل. وجاءت ردود العواصم العربية في نفس سياق الحرص الرسمي على تجميد كل الأوضاع على ما هي عليه. وهكذا سكنت جميع الأطراف عند نقطة الصفر، خاصة وان المطالب الأميركية تجرد أكثر الحكومات مما تتشبت به من امتيازات احتكارية. وهو ما دفع هذه الحكومات إلى حشد شعوبها لمعارضة ورفض المطالب الأميركية مستغلة الكراهية العربية للولايات المتحدة وعبر الضرب على أوتار السيادة الوطنية، تلك السيادة التي تنازلت عنها اكثر حكومات العرب للولايات المتحدة منذ أمد بعيد في ميادين السياسة والاقتصاد والتنمية الوطنية. ولم تهتم هذه الحكومات ـ وسط حمى التنازلات ـ بحقوق الشعب الذي تحاول اليوم تجييشه ليدافع عنها امام الهجمة الأميركية الشرسة. وهنا تعيش الشعوب بين مأزقين، ثم لا تجد مفرا من الانحياز لحكوماتها ضد الأجنبي. وهذا هو الطبيعي والمنطق الصحيح. وفي المقابل ـ ورغم هذا التجييش الشعبي ـ فلا تزال أكثر الحكومات تربأ عن وصل جسور الالتقاء مع الشعوب وفق استراتيجية وطنية ترد العدوان الخارجي وتصون السيادة الوطنية وتطلق الحريات العامة بما فيها حرية تداول السلطة والاجتهاد من اجل تحقيق التنمية الشاملة وفق اهداف وطنية.. فلا تزال المحصلة هي تجميد كل شيء لأجل المجهول. وتنذر هذه السياسات بخسائر أكبر تنتقل معنا من عام مضى إلى عام جديد، وربما تمتد هذه الخسائر لما هو أبعد من كل التواريخ المنظورة. وذلك لأن بعض الحكومات لا تزال تفضل الخضوع للضغوط الأميركية على التنازل للشعوب. وتعني هذه الرؤية ان المستقبل لن يتغير كثيرا، فالتكيف الرسمي العربي وفق قواعد الحرب الأميركية على ما تزعم أنه «الارهاب» سيظل يحكم المستقبل العربي بكل ما تعنيه قواعد هذه الحرب من انتقاص للسيادة، والاعدام بغير محاكمة، واستباحة الدماء العربية في كل مكان. ولعل ما جرى في اليمن خير شاهد. وهو ما يعني تصاعد «ارهاب» الدولة (الولايات المتحدة الأميركية) في مقابل «ارهاب» الأفراد والجماعات.. أي «ارهاب» و«ارهاب» مضاد. ولن يتورع الذين يستهدفون المصالح الأميركية عن اعتبار النهج الأميركي نموذجا لهم من حيث انتهاك السيادة الوطنية لدولهم، فالذين يقومون بمثل هذه الاعمال يستغلون تنازل السلطة في بلادهم عن سيادتها للقوى الخارجية ليقتطعوا لأنفسهم جزءاً من هذه السيادة ويوجهونها لحساب ما يسعون لتحقيقه من اهداف وحجتهم أنهم يرون أنفسهم أحق بهذه السيادة من الأجنبي، خاصة وأنهم يستهدفون من وراء ذلك مصالح هذا الأجنبي الذي يرون فيه عدوا لهم ولبلادهم. وهو ما يعني ان استجلاب التدخل الخارجي يؤدي بالضرورة إلى استنفار داخلي مضاد لهذا التدخل يرى نفسه الأحق بأرض وماء وهواء بلاده من اي قادم غريب. ولو كان هذا الغريب مسلحا باتفاقيات ثنائية أو دولية، فالتنازل امام هذا الغريب يعني الموت بقذيفة طائرة. ووسط هذا الجو المشحون بالعداء قد تتجه الحكومات إلى تقديم المزيد من التنازل للولايات المتحدة على حساب المصالح الوطنية وهنا قد تأخذ العلاقات العربية الأميركية نمط التقارب الرسمي الحكومي في مقابل استحكام العداء الشعبي للولايات المتحدة لتصبح دول عربية كثيرة مجرد نسخة مما يجرى في اليمن. وذلك في ظل صراع طرفين يستهدف كل منهما استنزاف الآخر كلية والقضاء عليه. وسوف يؤدي استمرار هذا الصراع ـ مع التراخي الرسمي العربي وتقديم التنازلات المتنوعة للولايات المتحدة ـ إلى نشر الفوضى، خاصة وان كثيراً من الحكومات العربية اكتفت لنفسها بدور السمسار أو الوسيط المسوق للمصالح الأميركية في المنطقة. ويعني ذلك أن الضحية ستكون الشعوب العربية، وذلك مع غياب الاستراتيجيات الوطنية التي تكفل حماية الدول العربية وشعوبها من مخططات التفكيك والتفتيت، وانعدام الاستقرار المؤدي ايضا لانعدام كل أشكال التنمية. وهذا ما تعلمه واشنطن وتريده وتخطط لتنفيذه في العالم العربي. وهنا فإن المستقبل العربي في ظل هذه الأجواء لن يكون أفضل من الأعوام الماضية، وربما يكون القادم أسوأ في مآسيه وكوارثه.