الخميس 28 شوال 1423 هـ الموافق 2 يناير 2003 ليس هناك تعليق مميز او أسخن يمكنه ان يطلق اكبر قنبلة سخرية على قضية المهندس الآسيوي الذي تسلل الى الارقام السرية لعملاء البنوك وتمكن من سرقة اموالهم بضغطة زر من مكانه، ولاني لا امتلك بديهة المصريين في اطلاق النكات والقفشات التي تميزوا بها من بين شعوب الوطن العربي، فإنني لا استطيع ان افعل مثلهم لأنفس عما بداخلي من غيظ وغضب فياض وحزن، واعلق على المأساة واضحك عليها وسط بحر من البكاء، فالمأساة المؤلمة تقول ان هذا الشخص ابعد عن البلاد لارتكابه جرماً ومخالفة القوانين، وعاد «عيني عينك» على بساط الراحة ليقيم بصورة غير مشروعة. كيف عاد؟ واين قوائم الأمن المسماة «بلاك ليست»؟ وكيف سمح له ان يقيم بصورة غير شرعية؟ كيف سمح له بأن يطلق يديه في الجيوب السرية للبنوك، ويلتقط ودائع الناس وأماناتهم لدى المصارف؟ الاسئلة هذه ليست لها علاقة بمبلغ الـ 300 الف التي طارت عبر اسلاك الهاتف من بلد الى بلد، ولا من حساب لحساب، انما لها علاقة كبيرة جدا بالسؤال الخطير جدا جدا وهو الى متى ستبقى ابواب «البراحة» مشرعة ومفتوحة ونوافذها هشة مخترقة، وحراسها نائمون في «الفيء»؟ والسؤال الذي يتولد عن السؤال الكبير؟ لماذا نعيش في مجتمع نريده آمنا ومسالما ومتصالحا مع نفسه ومع الغير وهناك اشباح تهيم على وجوهها في شوارعه وحواريه؟ أليس ما حدث في السابق يكفي؟ أليست ملايين الدولارات وملايين الدراهم التي طارت في غمضة عين كافية لاغلاق باب البراحة وحراسته حراسة صارمة؟ العالم من حولنا يرتج والذين تحملهم رياح الطمع الينا ليسوا قليلين، فلماذا لا نسأل أنفسنا الأسئلة الصعبة ونسعى للاجابة عنها؟ عاد المجرم بعد جرم، عاد وفتحنا له الباب للمرة الثانية، وما يدرينا ان يعود للجرم الثالث بعد ان تنقضي عقوبته؟ وما ادرانا كم مجرماً وقع ثم غادر وعاد ينخر كالسوس في عظامنا؟ الاسئلة صعبة وحينما نصرخ جميعا بأن الخلل كبير وقدم وشاخ وترسخ ينبري لنا من يقول انتم تبالغون، وانتم الذين تهولون الامور. لا.. ليس ما يدفعنا هذا، ولا كنا يوما قنافذ تبرز اشواكها من كل الجهات، انما يوجعنا ما يوجع الوطن. عاد المجرم للمرة الثانية.. عاد بكل بساطة وسهولة.. كيف عاد؟ او كيف عادوا؟ سامح الله الثغرة الموجعة في باب الوطن الغالي.