الخميس 28 شوال 1423 هـ الموافق 2 يناير 2003 أظن أنك يا عزيزي القارئ صانع سيناريو، فكل منا شاء أم لم يشأ، يتخيل سيناريو ما سيحدث، واذا لم يتحقق ما يجده كما يراه، سيصدم بلاشك. مثلا اذا كنت في طريقك الى مكتبك بالتأكيد هناك تصور لما سيحدث، فإذا وصلت الى مكتبك فوجدت أن خادمتك تنتظرك على الباب ستكون صدمة. وستسأل ما القصة؟ فإذا دخلت ووجدت أن النافذة تحولت الى باب وأن المكتب وضع في غير مكانه وأن الطاولة اختفت ستكون صدمة أخرى. وبالطبع نكون أحيانا مسئولين عن هذه الصدمة فأنت الذي طلبت من الخادمة أن تأتي الى المكتب أو الذي طلب تحويل النافذة الى باب أو غير ذلك مما نسيته أو كما أريد أن أقول مما لم تتخيله أو ما لم تضع له السيناريو. ولقد ذهبت لزيارة سناء جميل في المستشفى وأنا غير مدرك أنني لم أضع السيناريو لما سيحدث وبالتالي لم يكن في عقلي سوى لقاء مشابه لما حدث في نحو أربعين عاما منذ أن تعارفنا لأول مرة. وكنت تائها ولكن ذلك كان طبيعيا فأنا عندما أقترب من إحد المستشفيات أحس أنني لست أنا، والمسألة ليست شجاعة وخوفا بل هي حالة خاصة لا أعرف لها سببا. ولقد سكنت لفترة في إحدى مدن انجلترا الى جوار المقابر ولم أحس لحظة ما أحسه في أي مستشفى. المهم أنقذني من حيرتي لويس جريس وأنا أعرفه أيضا منذ أربعين عاما. ووقفنا ننتظر موعد الزيارة مع زوجتي والاعلامية الكويتية أمل عبدالله. وما أن أتت اللحظة حتى تقدمنا: أمل وزوجتي وأنا، ولكن الممرضة استوقفتنا وطلبت دخول شخصين فقط. وفورا انسحبت الى الخارج، وربما خطر على بالي أن هذا كاف، فأنا كما لابد أنك فهمت أكره زيارات المستشفى. ولكن فوجئت بالممرضة تنادي عليّ بحماس لافت للنظر.. وتقدمت مستجيبا لأجدها تصافحني بشدة. وتسألني إن كنت أتذكرها. ولما أفصحت عن اسمها تذكرتها وعائلتها.. وتلك قصة أخرى تستحق أن تروى في حديث خاص. ولكن المعرفة القديمة أحلت ما حرمته القواعد، فأدخلتني رغم مقاومتي. أحب أن أتوقف هنا لأحملك يا عزيزي القارئ مسئولية صنع السيناريو وهو ما أزعم أنك تفعله دائما. لقد كنت خالي الذهن تماما مما سأرى كما ذكرت لك، ثم جاء هذا الحديث الصغير ليشوش على قدرتي في تخيل هذا السيناريو. وفي لحظة وجدت أمامي سناء جميل راقدة على الفراش متصلة بأنابيب وخراطيم كأنها لوحة سيريالية. ليست هذه هي سناء جميل. لقد عرفتها في عنفوانها وشاهدتها وهي ترج المسرح بقدميها. أيضا عرفتها في ضعفها عندما كانت تطلب أن نرفع صوتنا حتى تسمعنا، أو تعتذر عن المسرح لأن الطبيب نصحها أن تنسى المسرح. لكن التي أراها الآن ليست هذه ولا تلك. ولم يكن في ذهني أي سيناريو، ولذلك كانت الصدمة هائلة. أمسكت بيدها، اتسعت حدقتا عينيها متسائلة، وبرقت فيهما المعرفة، وتحركت عضلات وجهها بتعبير من الصعب فهمه، وهي التي كانت تعبر عن أدنى المشاعر بعبقرية فذة. وشدت على يدي والدموع تترقرق في عينيها. ولا أدري كيف انتهى الأمر. قالت لي زوجتي إنني على غير العادة في مثل هذه الحالات قلت للويس جريس كلاما مرتبا.. وان كنت لا أذكر ما قلته. كنت في صدمة مما رأيت. ربما لو كنت صنعت السيناريو ما كنت ذهبت، ولو كنت ذهبت ما كانت صدمة بهذا القدر. ومنذ ذلك اليوم وفكرة السيناريو الذي يصنعه كل إنسان تدور في رأسي حتى بعد أن فارقتنا سناء جميل.. وحاولت أن أبحث في ذاكرتي عن المرات المتشابهة مع ما حدث، وكان أقرب موقف يعود الى سنوات بعيدة ربما أبعد من معرفتي بسناء جميل ولويس جريس. كان ذلك عندما تخرجت من الجامعة وآن لي أن أؤدي الخدمة العسكرية. وكان مما يحكى عن ذلك، تلك الفترة الأولى التي يبقى فيها المجند في المعسكر شهرا ونصف الشهر دون أن يخرج مرة واحدة. وكنت أسمع هذا ولا أهتم فلم أتخيل أنني سأضيق بحبس لا يزيد على شهر ونصف الشهر. فضلا عن أنني كنت مشغولا بأمور أخرى، فلقد كنت أعمل في مجلة أغلقت أبوابها، وصحيفة لم يصدر لي قرار تعيين فيها. وفعلا بعد أن أنهيت فترة التجنيد خرجت فلم أجد عملا.. وبالطبع لم تكن المرة الأولى، ولا المرة الأخيرة! يهمني في ذلك كله أنني لم أكن أقدر تجربة «العزل» وهذا هو اسمها خطورتها، ودخلتها بهدوء وسكينة. وأظن أن الأمور سارت، ولم أكتشف هول ما حدث إلا بعد خمسة وأربعين يوما. عرفت معنى النفي بعيدا عن الناس والحياة اليومية. وكنا لا نرى إلا أعلى شقة في بناية عالية.. وكانت بعيدة الى حد لا نستطيع فيه أن نتبين من فيها، لكنه كان من محبي السهر. فكنا نهتم بأن نعرف الى متى سهر ومتى نام؟ وكان مما اكتشفته أننا لا نعاني فقط من الحرمان من الماء والطعام والحب والحنان. بل قد نعاني من الحرمان من أشياء أخرى، وهذا ما عانيته فلقد اكتشفت مرارة الحرمان من الموسيقى. في أول يوم خرجت فيه كنت في لهفة للعودة الى البيت لكني توقفت في الشارع الى جوار مقهى عندما وصلت أنغام أغنية الى أذني. كانت الموسيقى تنساب مثل قطرات المطر الى الرمال الظمأى، وكان الصوت يهز قلبي مثلما تفعل تلك الأجهزة الطبية الكهربائية عندما يتوقف القلب. وكان علي أن أمسح دموعي قبل أن استكمل مسيرتي. لقد كنت عطشان للموسيقى وحسوتي قطرات وسارعت لأسمع أكثر. ولا تظن يا عزيزي القارئ أنها كانت أغنية «الأطلال» فلم تكن غنتها أم كلثوم بعد، ولا «زروني كل سنة مرة»، ولا «قارئة الفنجان» ولا.. ولا.. كانت أغنية اذا تذكرتها الاذاعة الآن أدرت المؤشر وربما لعنت من أذاعها! من ذلك الوقت وأنا أتساءل كيف يستطيع الانسان أن يعيش بلا موسيقى. وأنا لا أشغل نفسي عادة بمن يهاجمون الفن أو يحرمونه لاحساسي بضرورة الفن للانسان. أليس لدى تجربة شخصية؟! وأعرف أنه لا يستطيع أحد أن يحرم الفن تماما فمن يستطيع أن يزايد على الرسول عليه الصلاة والسلام وعلى الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم، وعلى أئمة المسلمين. وكانوا يتذوقون هذا الفن أو ذاك. حقا إن بعض المتشددين أباحوا الدف دون غيره. ولو أن الدف آلة موسيقية مثلها مثل البيانو والكمان والعود وإن كانت أقل قدرا من هذه.. وبعض المتشددين أباح غناء الرجل دون المرأة أو العكس. و.. و.. ولكن الغاء الفن أظنه فكرة لم تخطر على بال أحد. ومنذ وقت قريب أقام عميد كلية الشريعة في الكويت ندوة قال فيها ان الغناء مزمار من مزامير الشيطان. ولا أدري لماذا قفزت الى ذاكرتي فجأة «طلع البدر علينا» وبالطبع الكثير والكثير مما يحتاجه الوجدان الانساني، وفقدانه يمثل العطش الذي ألمحت اليه. ولو أن الأمر توقف عند هذا الحد لما تحدثت فيه. لكنه قال ان الدراما التلفزيونية تخالف الشريعة! وهكذا أسدل ستار التحريم على فن بكامله ومعه بالتأكيد السينما والمسرح.. ربما كانت أول مرة يخص أحدهم الدراما التلفزيونية بهذا التحريم. وأتخيلنا بلا موسيقى ولا غناء ولا دراما وكيف سنكون لا تقولوا اننا سنعود الى غلظة الجاهلية، فلقد كانوا يسمعون الموسيقى والغناء. الحمد لله أننا نكتب بالعربية ولا يقرأنا سوى العرب، وإلا ماذا سيقولون عنا؟!