الخميس 28 شوال 1423 هـ الموافق 2 يناير 2003 فجأة تنطلق الصواريخ وقاذفات القنابل الأميركية من حاملات الطائرات العملاقة أو قواعد أرضية لتقصم ظهر الجيش العراقي بعد تدمير شامل لدفاعاته ومراكز اتصالاته. وتأتي المرحلة الثانية لتكمل المرحلة الأولى: اقتحام بري قوامه نحو ربع مليون جندي أميركي ينطلقون في آن معاً من المنطقة الكردية في الشمال والبصرة في الجنوب وبعد القضاء نهائياً على ما تبقى من قوات عراقية تأتي المرحلة الثالثة: تشكيل حكومة عميلة من بعض عناصر المعارضة العراقية في الخارج تكون مسئولة لدى الجنرال تومي فرانكس.. الحاكم العسكري الأميركي الجديد للعراق. كل هذا لن يكون سوى مقدمة للمرحلة الرابعة وهي استقبال مئات الألوف من الفلسطينيين من الضفة الغربية بعد ترحيلهم قسراً بواسطة القوات الاسرائيلية ومن ثم إعلان ضم الضفة نهائياً لاسرائيل! هذا على الأقل هو الحلم الاستراتيجي لعام 2003 لليمين الاسرائيلي بزعامة ارييل شارون من وراء استعجاله لحرب أميركية على العراق. لكن لأن الشرط الأساسي لتحقيق هذا الحلم ـ حتى لو فتحت واشنطن النار على العراق ـ هو ان يتمكن شارون أولاً من خنق آخر نفس للمقاومة الفلسطينية المسلحة وتصفية آخر كوادرها القتالية، فإن هذه الخطوة التمهيدية تتطلب تعاوناً من قيادات فلسطينية في موقف يمكنها من التسويق الجماهيري لفكرة ان «عسكرة الانتفاضة» ألحقت بالشعب الفلسطيني وقضيته أبلغ الضرر. والسؤال الذي يجب ان يطرح لعام 2003 إذن هو: ما إذا كان هذا العام سوف يشهد ضمن ما يشهد من احداث درامية، ما إذا كان التقاء الحملة الشارونية الحربية مع الحملة السياسية الموازية بزعامة شخصيات فلسطينية تقليدية سوف يؤدي إلى تصفية الانتفاضة المسلحة؟ لكن للسؤال وجه آخر: هل يشكل عام 2003 الحد الفاصل للخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني باندحار العناصر القيادية التقليدية وخروجها من المسرح نهائياً؟ على نحو ما يرتبط هذا السؤال بسؤال آخر: هل يشهد العام نهاية عرفات؟ ان الثابت الآن على الأقل هو ان الشعلة العرفاتية تفقد وهجها مع مرور كل يوم، ورغم ان أفول هذا الزعيم التاريخي سوف يسعد ارييل شارون، في سعيه لمحو أي أثر لسلطة فلسطينية أياً تكون هويتها السياسية، فإن فصائل المقاومة الفلسطينية قد لا تجد نفسها أسيفة. لكن شارون ومعه جورج بوش قد يندمان لاحقاً بعد فوات الأوان عندما يكتشفان ان ذهاب عرفات ترتب عليه ذهاب رجال عرفات من «المعتدلين» الذين تراهن عليهم اسرائيل والولايات المتحدة الآن. وان الفراغ القيادي الذي نشأ عن تلاشي القيادة التقليدية قد ملأته قيادة ذلك التنظيم الذي يضم فصائل المقاومة المسلحة كافة بشقيها الاسلامي والوطني. ومن المفارقات ان كلا من مصر والاردن، لما يتوفر لكل منهما من بصيرة نافذة تجاه المشهد الفلسطيني، لا تتوفر بنفس القدر لاسرائيل والولايات المتحدة، تعارضان منذ الآن فكرة اقصاء عرفات. ونعود إلى العراق لنتساءل: هل فعلاً نصدق التوقعات المتداولة بشأن شن الحرب الأميركية خلال عام 2003؟ هناك مؤشر قريب جداً لتحديد اجابة ما على هذا السؤال.. فهناك أقل من أربعة أسابيع تفصلنا عن التقرير الأولي المفصل الذي سوف يتقدم به هانز بليكس إلى مجلس الأمن الدولي في 27 يناير الجاري بشأن النتائج التي تتوصل إليها فرق التفتيش الدولية بعد شهرين من بدء عمليات التفتيش، وبالطبع تأمل الادارة الأميركية ان تنطوي نتائج التفتيش على ادانة العراق على نحو ما مما يمكن ان يستغل كتبرير «لمعاقبة» النظام العراقي بشن حرب. لكن حتى من هذا المنظور فإن لجوء ادارة بوش إلى اشعال نار الحرب مشكوك فيه إذا كانت الولايات المتحدة حريصة على عدم الاندفاع إلى حرب بمفردها، فالمعارضة في مجلس الأمن الدولي المكونة من فرنسا وروسيا والصين لن ترى داعياً لشن حرب حتى لو أثبت تقرير بليكس ان العراق مازالت لديه أسلحة دمار شامل. فقد تقترح هذه القوى الدولية الثلاث ببساطة الاكتفاء بتدمير الأسلحة دون الحاجة إلى غزو العراق. ولكن ماذا لو حدث العكس.. أي في حالة ان بليكس يتوصل في تقريره إلى نتيجة بأن فرق التفتيش لن تعثر على شيء من أسلحة الدمار الشامل؟ أغلب الظن ان القوى الدولية المعارضة للولايات المتحدة ـ روسيا على الأقل ـ سوف تطالب بالشروع في اجراءات رفع نظام العقوبات نهائياً عن العراق. مع ذلك لا يمكن القول بثقة ان العام 2003 سوف يشهد تحرر العراق من العقوبات فمن أجل التعطيل والعرقلة سوف تلجأ واشنطن إلى حيل أخرى: فتح ملف المفقودين في حرب الخليج الثانية مثلاً مما يتضمن اتهام السلطة العراقية بمواصلة احتجاز 600 أسير. ان التكهنات بشأن عام جديد لا تنتهي على ان هناك شيئاً واحداً على الأقل يرقى إلى مستوى التأكيد وهو ان عام 2003 بقدر ما سيكون عام فلسطين والعراق، فإنه سوف يكون أيضاً عام كوريا بشقيها الشمالي والجنوبي، ففي النصف الشمالي تحد نووي متعاظم وفي النصف الجنوبي فوران متصاعد في الشارع. ولذا لن يكون بوسع جورج بوش التفرغ لمسرح الشرق الأوسط كما هو الحال حتى نهاية العام المنصرم.