الخميس 28 شوال 1423 هـ الموافق 2 يناير 2003 تأتينا الاخبار بين الحين والآخر عن اعتداءات ارتكبت ضد صحافيين، وتهديدات بالسجن، واحيانا اخرى هناك كلام عن القتل والتصفية الجسدية، واحيانا نسمع أبشع الانباء وهي قتل الباحث عن الحقيقة وعن الخبر. عمل الصحافي هو عمل شريف ومهنته مهنة نبيلة وهي البحث عن الحقيقة واستقصاء الواقع لتبصير الامة والمجتمع والشعب بما يدور في المؤسسات المختلفة الحكومية منها والخاصة سواء كانت تجارية أم خدمية ام ادارية أم سياسية أم تعليمية.. الخ. تهديد الصحافي وضربه والتعدي عليه تصرفات لها دلالات خطيرة جداً تتمثل في هل نحن مستعدون لصحافة الاستقصاء والكشف عن المستور؟ وهل نحن مستعدون لنظام اعلامي قوي يقوم على تأدية مسئوليته الاجتماعية على أحسن وجه، ويقوم بتنوير الرأي العام حتى يساهم في المشاركة السياسية وصناعة القرار؟ الصحافي في النظام الديمقراطي ملك للمجتمع وليس لنفسه، ورسالته تتمثل في خدمة هذا المجتمع بكل امانة وصدق. اما اذا فقد الصحافي شروط ادائه المسئول والنزيه والملتزم والتي تتمثل في الحصانة والحماية وقانون قوي يحميه من الضغوط والمساومات والمراقبة الذاتية، فإننا لا نخرج من خانة اعلام التملق والتسبيح والتبجيل. ما يحتاجه المجتمع العربي هو اعلام مسئول جريء يتفاعل مع الرأي العام في المجتمع ويبحث باستمرار عن الحقيقة والوصول اليها. جاء في الاعلان العالمي لحقوق الانسان سنة 1948م، «أن لكل شخص الحق في حرية الرأي والتعبير، ويشمل هذا الحق حرية اعتناق الآراء دون اي تدخل، واستقاء الانباء والافكار ونشرها بأية وسيلة كانت دون التقيد بالحدود الجغرافية». ويقول سقراط «لكي تكتشف الفضيلة لابد ان تعرف نفسك وتعرف الآخرين، فهذا هو الخير الاعظم للانسانية»، ويرى افلاطون انه يمكن الوصول الى الحقيقة من خلال المناقشة الحرة. وهذا يعني ان حرية الرأي والتعبير وحرية الصحافة والسوق الحرة للأفكار هي مستلزمات لابد منها للوصول الى الديمقراطية والرفاهية والازدهار. مهنة المصاعب لكن البحث عن الحقيقة والوصول اليها ليس بالأمر الهين خاصة في الدول النامية والدول التي تفتقر الى المؤسسات. ظروف العمل والصعوبات والمشاكل والاخطار المختلفة التي يتعرض لها الصحافي في عملية البحث عن الحقيقة والبحث عن المعلومات وتقديمها للجمهور، هي من المسائل المهمة التي يجب ان تقدم وتدرس وتطرح بكل شفافية على الجمهور. ومن خلال التجارب المختلفة للقائمين بالاتصال في جميع انحاء العالم فان عملية البحث عن الحقيقة والبحث عن الخبر لا تقدم دائما على طبق من فضة. والاحصائيات تشير الى ان مئات الصحافيين يموتون سنويا برصاص الارهاب والانظمة الدكتاتورية والمافيا سواء السياسية او المالية.. الخ، وسواء في دول الشمال او الجنوب فاشتهرت دول كثيرة بصعوبة ممارسة الاعلام فيها ككولومبيا وبوليفيا والبرازيل والمكسيك والجزائر وتونس وباكستان وإيران والقائمة طويلة. فحسب تقارير «مراسلون بلا حدود» فلقد لقى 501 صحافي حتفهم في السنوات العشر الاخيرة، وان نصف دول العالم لا تحترم حرية الصحافة، اضف الى ذلك ان في العديد من دول العالم لا توجد هناك قوانين تحمي المهنة والمهنيين من جبروت وسلطة المال والسياسة والمافيا بمختلف انواعها واشكالها: في الكثير من دول العالم لا توجد نقابات للصحافيين، ولا مواثيق الشرف، وهكذا يجد القائم بالاتصال نفسه في العديد من دول العالم امام ميادين مملوءة بالالغام والمشاكل والعراقيل. هذا الصحافي في نهاية المطاف هدفه هو البحث عن الحقيقة وتقديمها للرأي العام كما هي لا غير. والمشكل هنا يكمن في ان قول الحق وتقديم الواقع كما هو للرأي العام لا يعجب الكثير من الفئات والاطراف والجهات في الكثير من الاحيان، وفي احيان اخرى لا يعجب السلطة ولا يعجب اصحاب المال والنفوذ، الخ تشير التقارير كذلك ان آلاف الصحافيين عبر العالم يزج بهم في السجون والمعتقلات وفي الكثير من الاحيان لا احد يسأل عنهم او يدافع عن قضاياهم، وهذا هو جزاء من يبحث عن الحقيقة وعن الصالح العام. المؤسسة الاعلامية العربية في غالب الاحيان يشرع في انشائها وبنائها وتمويلها دون النظر في مستلزمات كثيرة يجب توفيرها وتحديدها قبل العمل الاعلامي نفسه. مؤسسات اعلامية عربية كثيرة لا تعرف من ميثاق الشرف الا الاسم، ولا تعرف من نقابة الصحافيين الا الاسم كذلك. كلنا يعلم ان معظم المهن في عالمنا العصري لها قوانينها ومواثيقها الاخلاقية ونقاباتها من اجل صيانتها وحمايتها والذود عنها وحماية من يمارسها ومراقبته حتى لا يستغل المهنة لأغراض بعيدة عن القيم والاخلاق وحتى لا يظلم أو يهان. الدول العربية اشترت التكنولوجيا دون التفكير في الرسالة وفي ما تبثه من خلال التكنولوجيا، ومارست الاعلام وتفننت في استعماله دون التفكير في مستلزمات المهنة وما يجب ان نبدأ به ودون الايمان الراسخ بالسوق الحرة للأفكار، وهكذا وبعد عقود من الزمن وبعد فوات الأوان وبعد ان استعملت وسائل الاعلام بطرق غير مهنية وغير احترافية وغير اخلاقية لتحقيق اهداف سياسية او تجارية أو غيرها على حساب المهنة والضمير والاخلاق والمصلحة العامة، بعد كل هذا الوقت جئنا ننادي بما كان واجبا علينا ان نبدأ به قبل عشرات السنين. انه من واجب كل مؤسسة اعلامية أن تحمي صحافييها الذين يعملون ليل نهار بحثا عن الخبر وعن الحقيقة وعن ابلاغ الجمهور، كل هذا يجعل من ميثاق الشرف الاعلامي ضرورة حتمية لا بد منها للمؤسسة الاعلامية وأداة من ادوات العمل الاعلامي الناجح، فكل مؤسسة اعلامية مطالبة بأن تحدد بكل وضوح ودقة المحرمات والمبيحات، واجبات القائم بالاتصال وحقوقه، ما له وما عليه، وقبل كل هذا وذاك فالمؤسسة الاعلامية مهما كانت طبيعتها فهي مؤسسة اجتماعية قبل كل شيء. اذا غابت الاخلاق وسيطرت النزوات الشخصية او الحزبية او المالية التجارية ابتعدت المؤسسة الاعلامية عن خدمة المصلحة العامة، وهذا يعني انها بدلا من ان تكون المراقب العام في المجتمع والمدافع عن الفئات المحرومة تصبح في يد فئة معينة تستعملها وتسخرها لخدمة مصالحها، وحتى لو كانت على حساب المصلحة العامة، مما يؤدي حتما الى انعدام المصداقية وتدهور العلاقة بين الشرائح الاجتماعية العريضة في المجتمع والمؤسسة الاعلامية، بعبارة اخرى ان المؤسسة الاعلامية تعمل في فراغ تام وعملية التأثير والتأثر تنعدم من اساسها، وفي غالب الاحيان يتوجه الجمهور المستقبل نحو وسائل ورسائل اعلامية اخرى ليجد ما لم يجده في الرسالة المحلية. وفقدان المصداقية في العملية الاعلامية يعتبر فشلاً للعملية الاعلامية في مهدها. وتنعدم المصداقية في العملية الاعلامية عندما تكثر الضغوط بمختلف انواعها واشكالها على القائم بالاتصال، وعندما تكثر التدخلات في عمل المؤسسة الاعلامية من قبل جهات وأطراف ليس لديها اي حق وأي صلاحية في التدخل في العمل الاعلامي. وفي عالمنا العربي مع الاسف الشديد تعاني المؤسسة الاعلامية من ضغوط ومن تدخلات ومن تحكم وتوجيه تجعلها مؤسسة تبتعد كل البعد عن جمهورها وعن خدمة المصلحة العامة ويصعب هنا الكلام عن الاخلاق او ميثاق الشرف أو المصلحة العامة اذا كانت المؤسسة الاعلامية تحت رحمة حفنة من اصحاب الجاه والمال والنفوذ. الرسالة الاعلامية ان تحديد مهام ومسئولية المؤسسة الاعلامية وتحديد مهام ومسئولية القائم بالاتصال في ضوء ميثاق شرف شامل وواضح المعالم، يعني اننا قضينا على الكثير من الملابسات ومن المناطق الغامضة التي قد تؤدي الى سوء التفسير والاستخدام، والمؤسسة الاعلامية في المجتمع مثلها مثل القائم بالاتصال الذي يصنع الرسالة التي تقدم للجمهور، يجب ان تكون لديها رسالة نبيلة تعمل من اجلها ليل نهار للدفاع عنها وتحقيقها. المؤسسة الاعلامية يجب ان تبذل قصارى جهودها لابراز الحق وتبيان الباطل، والمؤسسة الاعلامية يجب ان تفكر في ذلك المظلوم، المهمش، المسكين، الفقير الذي لا حول له ولا قوة، فإذا كان الهدف النبيل موجوداً والنية موجودة والمستلزمات متوفرة (قوانين، تشريعات، نقابات، مهنية، مواثيق اخلاقية) وكذلك المناخ الديمقراطي وحرية التفكير والرأي والتعبير، في هذه الحالة نستطيع ان نتكلم عن مؤسسات اعلامية فاعلة في وطننا العربي. والمؤسسة الاعلامية في المجتمع هي مؤسسة اجتماعية قبل ان تكون اي شيء آخر، ومن هنا يجب ان تعي مؤسساتنا الاعلامية في الوطن العربي انها ليست مجرد وسائل لبيع مساحات الاعلانات وتحقيق الربح السريع، وانها ليست وسائل لبث رسائل وبرامج هابطة لضمان اكبر عدد ممكن من اقبال جمهور المراهقين والشباب عليها. وانما وأهم من كل هذه الاعتبارات هنالك مجتمع بكامله بمختلف شرائحه وفئاته ينتظر رسالة اعلامية هادفة ومسئولة من اجل نشر الثقافة والعلم والاصالة والفكر السليم والتحليل السليم ورأي عام مستنير، كل هذا في اطار قيمنا واخلاقنا ومبادئنا الاسلامية العربية الاصيلة. الممارسة الاعلامية مهنة نبيلة يجب ان تمارس آخذة بعين الاعتبار كل الابعاد الاخلاقية والقانونية والتشريعية والمهنية. فالمؤسسة الاعلامية مسئولة امام المجتمع وامام الرأي العام، ومسئولة مسئولية اخلاقية كبيرة جدا عندما تضخم اشياء وتحجب اشياء أخرى، وعندما تركز على عناصر معينة في الخبر دون غيرها، وجريمة التضليل والتزييف والمغالطة والكذب أخطر بكثير من أي جريمة اخرى، لان المؤسسة الاعلامية عندما تكذب او تغالط فانها كذبت على ملايين البشر وليس على شخص واحد، وهنا تكمن اهمية الاخلاق والالتزام والنزاهة التامة في العمل الاعلامي لضمان السوق الحرة للأفكار. ما نلاحظه في الممارسة مع الاسف الشديد هو طغيان احد الامرين، اما الجانب التجاري، وفي هذه الحالة نلاحظ طغيان البعد المالي وبعد الربح والفائدة على الصالح العام، أو طغيان الجانب السياسي وفي هذه الحالة تصبح المؤسسة الاعلامية الناطق الرسمي الوفي الملتزم لصاحب السلطة والقرار. وفي كلتا الحالتين تضرب بمواثيق الشرف واخلاقيات المهنة عرض الحائط. ـ كلية الاتصال ـ جامعة الشارقة