الخميس 28 شوال 1423 هـ الموافق 2 يناير 2003 شدني طويلا هذا الاسم الذي اطلقه يوما مسئول عربي، والذي لا أدري ان كان صاحبه أم انه اسم مستورد، المهم.. انتابتني رغبة شديدة في التعرف على ذلك المكان وزيارته مهما كلفني ذلك من تعب ومشقة، على أمل ان أرى فيه وجوها كثيرة.. بعضها سمعنا وقرأنا عنها في كتب التاريخ.. وبعضها عايشناها.. واحتقرناها.. واحتفلنا بزفافها الميمون الى ذلك المقر التاريخي.. «مزبلة التاريخ»..! ــ قيل لي انه لابد من استخراج تصريح بالزيارة من الامانة العامة للتاريخ، ولابد من تقديم طلب على الاستمارة المخصصة للزائرين، موضحا فيها اسمي ومهنتي وتفاصيل عن ميولي وانتماءاتي وهدفي من الزيارة، وكان لابد أيضا من شهادة صحية تؤكد قدرتي على تحمل ما سوف يواجهني اثناء الزيارة من مناظر وروائح قد لا أتحملها مع تقديم تعهد كتابي يحملني وحدي مسئولية الزيارة وما قد يترتب عليها! توكلت على الله.. وأنهيت كل الاجراءات، ومن ثم توجهت في اليوم التالي الى موقع المزبلة مع مرشد خاص اوفدوه معي ليكون دليلي خلال الزيارة! ــ لأول وهلة.. وبعد ان تخطيت مدخل المزبلة احسست بمدى الجهد الذي بذل في اعدادها وتنظيمها بما يليق بأناس كانوا يحكمون ويتحكمون بأطراف اصابعهم.. وكانوا يظنون انهم محصنون من العقاب.. ومن الموت..، فانتهوا الى المقر الذي أعدوه لغيرهم وكان هو مثواهم الأخير..! انتزعني مرشدي من تخيلاتي.. وشدني مشيرا الى أول أقسام المزبلة وأكبرها.. وكان يحمل لوحة مزينة بفضلات من القمامة كتب عليها «قسم الجبابرة»..! دخلنا (قاعة الجبابرة).. ووجدت نفسي مضطرا الى تثبيت الكمامة التي سلموها لي على انفي، فقد كانت روائح الجبابرة أقوى مما أحتمل، وكذلك فعل مرافقي، ورحت أجول بعيني في أكوامهم التي امتد بعضها الى ما يقارب سقف القاعة، وقد تراكمت فيها اعداد لا تحصى من حكام استخفوا بشعوبهم.. وجبابرة دوخوا العالم.. وسلاطين قالوا: «يا أرض انهدّي.. ما عليكي قدّي»..، في يوم من الايام كان مجرد ذكر اسم الواحد منهم كافيا لزلزلة العروش والممالك.. وبث الرعب في نفوس الملايين، بعضهم اكتسح البلاد والعباد.. ومسح بالمدن والعواصم الارض.. وهبت رياحه وزعابيبه فأطفأت مشاعل العلم والحضارة في كل مكان، وبعضهم كان شديد الانتماء لأرضه ووطنه، فاختص شعبه بجبروته.. ووزع عليهم بطشه بالعدل والقسطاس، رأيت بعض هؤلاء الجبابرة مستقرا في موقعه بالمزبلة بكامل ملابسه الرسمية الموشاة، ونياشينه الفخرية اللامعة، وبعضهم كان لا يزال محتضنا لتاجه المرصع.. قابضا بيد من حديد على صولجانه الذهبي، اما البعض الأخير فكان غارقا في كومة من الثروات والعملات التي لطشها حين احس بمكنسة التاريخ تقترب منه، متصورا انه يستطيع بها شراء اصوات زملائه نزلاء المزبلة ليرشحوه رئيسا لهم ولها مدى ال.. ممات..! الجبابرة الذين اكتظت بهم قاعة المزبلة، لم يكونوا كلهم من الحكام والأباطرة واصحاب الفخامة والعروش والتيجان، كان هناك ايضا جبابرة صغار، ألقت بهم المقادير في مواقع التحكم في رقاب العباد ومصالحهم، فكانوا جبابرة بقدر ما مكنتهم الظروف.. وبأقصى ما سمحت لهم عقدهم، بطشوا بكل من ساقه حظه الاسود الى التعامل معهم.. وهبروا بقدر ما طالت ايديهم.. وبأقصى ما اتسعت له كروشهم، ثم دارت الدائرة.. واصبحوا ذات يوم ليجدوا انفسهم في (الباي باي)، تحولت عنهم الأضواء.. وطارت من بين ايديهم السلطة والسلطان، فامتدت مكنسة التاريخ لتقذف بهم الى موقعهم الجديد في المزبلة.. مزبلة التاريخ..! ـ خرجنا نتنفس بعض الهواء النقي خارج القسم المذكور، ثم انتقل بي مرافقي الى قسم آخر اشارت اللافتة المثبتة على بابه الى انه خاص بمن يسمون (كلاب السلطة)، ولم ادرك المقصود بهذه التسمية حتى دخلت لافاجأ بين أكوام الزبالة بالكثير ممن عرفتهم وعرفهم الناس ذات يوم، بعضهم كانوا صحفيين لامعين، لمعوا بقدر ما اجتهدوا في تلميع احذية السلطة.. وتلونت اقلامهم بكل الوان قوس قزح تبعا لتلون نظم الحكم التي عاصروها، شرقا تشرقوا.. وغربا تغربوا، يمينا تيمنوا.. ويسارا تيسروا، ثم كان مشوارهم الاخير هو طريق المزبلة، والبعض الآخر كانوا تابعين أوفياء لحكام سادوا ثم بادوا، كانوا عيونهم التي يتلصصون بها على أسرار الناس وحرماتهم.. وكانوا آذانهم التي يتنصتون بها على اسرار الآمنين.. وكانوا ايديهم التي بدلا من ان تمتد للرعية بالغذاء والكساء.. امتدت لهم بالكرباج وبالحذاء، ثم طار الطغاة.. وطاروا هم في معيتهم.. الى حيث استقروا مرتاحين متجاورين.. في موقعهم بالمزبلة الكبرى!! ــ الجولة تتسع وتتسع.. والمزبلة تبدو وكأنها بلا نهاية، فهذا قسم المنافقين وماسحي الجوخ، وهذا قسم الانتهازيين وهواة التسلق، وهذا قسم الهباشين والهبارين، وهذا قسم العملاء والمأجورين.. الاقسام لا تنتهي.. وانا قد تعبت.. وقرفت، فانسحبت وبي شعور لا استطيع تحديده بالضبط، هل هو شعور الاسى لهؤلاء الذين توهموا ان التاريخ موظف عندهم، يأمرونه فيكتب ما يريدون.. ويمسح ما لا يريدون، أم هو شعور التشفي لما كان ولابد ان يكون، وانصافا للتاريخ الذي ارادوا ان يستعبطوه فوجدوا انفسهم في نهاية المطاف بين احضان مزبلته، لعلهم في موقعهم الجديد (والاخير) يكونون اكثر حكمة.. وأقل جبروتا وطغيانا..!!