الخميس 28 شوال 1423 هـ الموافق 2 يناير 2003 أقبل العام الجديد على عالمنا بوجه عبوس، أعاره إياه العام المنصرم، منتحلاً سمت الحكماء، منظري الرضوخ للأمر الواقع، وان القوة فوق الحق، ولا حقيقة إلا ما تثبت الأيام نفعه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم، له الأمر من قبل ومن بعد. أهكذا يصح ان نستقبل العام الجديد؟ لكن ما باليد حيلة، وما لنوائب دهرنا من دافع، وهي كثر، سواء تحالف على ايقاعها بنا، متربص أو حاقد، أو من بنفسه مرض، أو من تقوده شهوة القوة المدمرة لامتلاك العالم وتسييره وفق ارادة غاشمة تخاصم الحق وتتعامى عن رؤية جوهر الواقع، إلا من منظور المصلحة الخاصة، حتى وان جرت على الدنيا الخراب. عام جديد حفي بنا أن نبتسم في وجهه، ونهش في قدومه فرحاً، وننثر الآمال الطيبة، ونسرق من الأيام، لحظة أقرب لحلم اليقظة، ونتخيل القادم من أيامه معبقاً بعطر السلام، ومضمخاً بندى التسامح والتقارب بين ميراث الانسانية من حضارات، ومطهراً من دنس كل نزعة عنصرية، ومعافى من داء العنف والارهاب. عام جديد نستقبله، والآمال بين جوانحنا تتقافز نحو لحظة ينعم فيها عالمنا، بالانصات لصوت العقل وسط جلبة وقعقعة المجنزرات والآليات العسكرية، وضجيج دعابات الحروب المسمومة، التي باتت أهدافها الخفية معروفة وشائعة، تفضح زيف ما تتخفى به من أهداف ومبررات، تتلبّس زي الانسانية، وهي لها عدو مكين. ومن كثير ما نؤمل ان نبلغه في عامنا، ان تتراجع لغة المواجهات العسكرية، وقرع طبول الصراع بين الاسلام والغرب، لصالح لغة الحوار الحضاري، والتواصل لصالح الانسانية، واستكشاف مواقع الاتفاق، لا النبش عن مواضع العداء والتضخيم في الاختلافات وتحويلها إلى تناقضات. ومنها ايضاً، ان تتحلى بعض النظم النافخة في أبواق الحرب على الارهاب بفضيلة الاعتراف بالحق، وتكشف عن مخططاتها في حقبة السبعينيات من القرن الماضي، لاستنساخ «المسخ» الارهابي من موجة الانبعاث الاسلامي لشباب ضُلل بهم وسرقت منهم حماستهم الدينية ووظفت بالعنف وتلقينه لأغراض سياسية في مقدمتها إهالة التراب على منجزات فترة المد القومي التحرري، وقذف بهم في متاهات جبال أفغانستان تارة، وفي طوق الفقر في أعماق بلدانهم تارة، وضاعوا بعد أن ضيّعوا، واهدروا قيماً انتهكت في مستنقع اللعبة الدولية، وهم عنها غافلون، ولا أرضاً قطعوا، ولا دابة أوصلوا، حتى انقلبوا على سحرتهم كالدمى التي تحرك عن بعد، في دورة عبثية كان الاسلام فيها ضحية أولاً وأخيراً. على انني اختلف مع كثيرين ممن دبجوا المراثي والبكائيات والهجائيات في العام المنصرم، ودمغوه بأنه الأسوأ في تاريخنا العربي ورزنامتنا الاسلامية، ولي أكثر من سبب، في الزعم بمحاسن العام الفائت، أولها: انه ورغم كل الضعف والوهن البادي على وجه أمتنا العربية، من قمة الرأس لأخمص القدم، فلم تؤكل كما تؤكل القاصية من الأنعام، بل ظلت في مأمن تمرح دون راع يهش عنها الطامعين، وهو أمر محيّر فعلاً بحسابات الواقع المرئي. وبتبسيط غير مخل، أقول لكم، وأتساءل ببراءة: أليس ضعفنا وتشرذمنا، وخذلان الارادة، ومجاهرة بعض أولي الأمر منّا بعجزهم عن حماية أرامل شهداء فلسطين وحماية الأقصى في حد ذاته دافعاً قوياً للقوى الصهيونية بأن تبادر لهدم الأقصى وإعلان القدس عاصمة أبدية لاسرائيل، وترحيل الفلسطينيين إلى أية منطقة مهجورة، ومع ذلك لم يحدث، وهذه احدى معجزات العام المنصرم، ونرجو أن يمنحها طوعاً لعامنا الجديد، لأن وضعنا يسير بسرعة صاروخية إلى خانة الوضع المزري، وضعفنا يرشحنا للدخول في حالة الميئوس منهم، إلا أن نتغير ونغير ما بأنفسنا!