الاربعاء 27 شوال 1423 هـ الموافق 1 يناير 2003 «هي الأماني وإلا فالحياةُ ضنى».. تعجب كيف يستمر الناس في حياتهم، كيف يمضون الى الأمام ولا يقبعون خائفين مرتعدين محبطين من حياة لا تغادر منهم أحداً بغير ما يكدّر عليهم صفو الحياة ومشارب العمر؟ ولكنك لو حققت في الأمر لوجدت انه ليس إلا الأمنيات والآمال هي التي تبقي فيهم رمق الحياة، فلا ييأسون وتدفعهم الى الأمام فلا يتراجعون، ولا ينظرون الى ما ذهب وراءهم، وتنهضهم وتقيمهم شامخين واقفة هاماتهم، فلا ينهارون ولا ينهدّون، وتخرجهم من ضيق الحياة الى سعة الأمل، ومن آهات أرواحهم إلى نسائم آفاق الأفراح المرجوّة، ولولا ذلك لما رأيتهم إلا باكين شاكين ساخطين منطوين راجعين مرتدين على أعقابهم، لكنها نعمة الخالق عليهم الذي جعل لهم ولأرواحهم ونفوسهم نوافذ يفتحونها على البعيد البعيد يرسمونه آمالاً ملونة يرجونها رجاء المطر على شفاه الصحارى اليابسة المتشققة، ولِمَ لا نفتح جميعاً نوافذ الرجاء على مصاريعها نطل منها على عوالم تسكن أرواحنا، منها ما هو جديد جديد، ومنها ما هو بقية وفضلة مما بقي في كؤوس الأعمار التي كانت مترعة مليئة، ثم نضب ما بها ولم تبق فيها إلا تلك البقايا التي آه لو تنامت وازدادت وعادت الكؤوس.. كؤوس العمر كما كانت صافية عذبة. الكؤوس أما الكؤوس.. كؤوس العمر فهي عندي ثلاث.. الكأس الأولى كأس الطفولة، تلك الكأس الصافية الرقراقة التي هي أصفى من عيون الماء وغدران السحاب الساقط على الأرض، انها كأس تشربها وانت خالي الذهن من كل هم وحزن، لا تحمل إلا بسمات الطفولة وصفاءها وفرحها الذي لا ماضي له فينغص عليه كأسه ولا مستقبل يحرص عليه ويطلبه فينغص عليه تلك الكأس بالتفكير به، فكأس الطفولة كأس تشربها وأنت هاديء البال رائق. وذلك حال الأطفال الذين يولدون في حياة الناس الطبيعية غير المأساوية، أما أبناء المآسي والشقاوات فلا عزاء لهم. الكأس الثانية كأس الصبا والرعونة والشباب، تلك التي تشربها وأنت مفعم الروح بالآمال والأمنيات، هذا إن كنت تشربها بعد طفولة سعيدة رائقة، وقبل رجولة تشم روائح الطموح والآمال المتحققة منها، فكأس الصبا كأس الصبوة اللذيذة التي تشبه ركضك في البراري والغابات تطارد الفراشات والوحوش البريّة. الكأس الثالثة أما الكأس الثالثة فكأس النضوج وحمل تبعات الحياة، كأس «الجنى» وقطف الثمار التي زرعتها وأنت في عهد الشباب الأول، ثمار المعرفة وطلب العلم أو الجد والعمل والاجتهاد، وعهد أنت إن لم تصحب فيه من تحمل همّك، وتمسح عن جبينك إعياء الحياة ببسمتها الرقراقة اللطيفة، فإنك قد تنسى كؤوسك الأولى مهما كانت هانئة صافية. أُسائِلُها ماذا تمنيتِ هذا العامَ : ذاهبةٌ هي الليالي فهل في الروح من عَتَبِ ماذا تمنيتِ قولي لَوني وَلَهي بالأمنياتِ تعالي واغْسِلي تَعَبي هاتي ثغورَ أمانيكِ تُقَبلُها روحُ المُعَنى المُعَنى الصبِ في شَغَبِ هاتي الكؤسَ كؤوسَ الأُمنياتِ وفي روحي أسْكُبيها وقومي ها هُنا انسكبي بين الأحاسيسِ في الإحساسِ في وَتَرٍ أضناهُ أضناهُ ذاك الوجد واقتربي هيا تعالي تعالي نَنْسَكِبْ سُحُباً جداولاً من رقيقِ الحِس في طَرَبِ أو اقبلي وخُذيني للبعيدِ إلى تلكَ المَجَراتِ للنجماتِ للشُهُبِ إلى الشموسِ إلى آفاقِ ضاحكةٍ قمراءَ تَسْكُنُنَا عفواً بلا سَبَبِ ماذا تمنيتِ هذا العامَ يا شَفَةً لم تنفرجْ بَعْدُ عن سِر الهوى التعِبِ ماذا تمنيتِ من أهديتِ أُغْنيةً في الروحِ تَسْكُنُ في جفنيكِ في الهُدُبِ من كان في البالِ لَمّا رُحتِ مُغْمِضَةً عينيكِ من كان في عينيكِ في الحُجُبِ من الذي مَرتْ الذكرى تُبَللُهُ بالدمعِ بالعطرِ مثل الكأسِ بالحَبَبِ من ذاكَ من ذاكَ قولي لي .. أُسائِلُها وكيفَ بالسر تُفْشِيه فتنطقُ بي