الاربعاء 27 شوال 1423 هـ الموافق 1 يناير 2003 فلسطين والعراق و«الحملة الأميركية على الارهاب»: هذه القضايا الثلاث الكبرى هي وحدها اكثر من غيرها التي طغت على مجرى أحداث العام 2002.. وفي كل منها كان الاداء العربي متطابقا مع أهداف الاستراتيجية الأميركية المعتمدة. فهل يحق لنا رغم ذلك ان نأمل في تغيير عربي استقلالي في السنة الجديدة؟ لقد كان ابرز تطور على الصعيد الفلسطيني السياسي ارتفاع صوت من ينادون بأن «عسكرة الانتفاضة» خطأ استراتيجي جسيم ينبغي ان يصحح. وتبلورت هذه الدعوة بصورة متدرجة بدعوة أولية الى ان يتفادى الاستشهاديون قتل «المدنيين الابرياء» داخل اسرائيل.. ثم تصاعدت الدعوة بعد ذلك لادانة العمليات الاستشهادية على الاطلاق.. وبلغت الدعوة ذروتها عندما ارتفع صوت الداعين بشجب منهج الكفاح المسلح حتى داخل الاراضي الفلسطينية الواقعة تحت الاحتلال. ونعلم ان الانتفاضة الفلسطينية المسلحة ظلت موضع ادانة منذ انطلاقها في سبتمبر 2000 من اطراف خارجية في مقدمتها اسرائيل بالطبع والولايات المتحدة وحكومات عربية. وهذا كان متوقعا، لكن ان تشجب الانتفاضة من الداخل الفلسطيني فان هذه كارثة قد تمتد تداعياتها الخطيرة الى العام الجديد. وشهد العام المنصرم على صعيد آخر استمرار الشجب العربي الخفي للعراق بمواصلة «اسداء النصح» اليه لمراعاة «الالتزام بالشرعية الدولية» بما يعطي انطباعا للشارع العربي بأن الولايات المتحدة ليست السبب في المحنة العراقية واستمرارها وانما يقع اللوم على القيادة العراقية نفسها. غير ان النظام العربي الرسمي تراجع نسبيا خلال العام عندما نشبت تلك المعركة الدبلوماسية الكبيرة في مجلس الأمن الدولي بسبب انقسام القوى الدولية الرئيسية بشأن المصير العراقي: الولايات المتحدة وبريطانيا من ناحية وفرنسا وروسيا ـ والى حد ما الصين ـ على الناحية الاخرى من المواجهة. لقد رأينا للمرة الأولى منذ نهاية الحرب الباردة قوى دولية تتحدى الدولة العظمى الوحيدة علنا. وانتهت المعركة الى تنازل أميركي اساسي هو الذي تبلور في صياغة القرار 1441 الذي ادى عمليا كما نرى حتى الآن الى انتقال المبادرة في شأن تقرير مصير العراق من واشنطن الى الارادة الجماعية لمجلس الامن الدولي. ومغزى هذا التطور هو انه كشف للشعوب العربية على نحو فاضح انه اذا استطاع الشعب العراقي ان يتخلص اخيرا من نظام العقوبات الدولية، فانه لن يكون مدينا للحكومات العربية وانما لباريس وموسكو.. وربما بكين ايضا. على ان ارتهان النظام العربي الرسمي الى الاستراتيجية الأميركية كان أوضح خلال العام على صعيد «الحملة الأميركية لمحاربة الارهاب». وفي استمرار الغياب المتعمد لتعريف محدد للارهاب انكشف تماما الهدف الاميركي غير المعلن من الحملة. فقد ثبت خلال العام ان الولايات المتحدة تهدف اولا الى خدمة الاجندة الاستراتيجية الاسرائيلية في تمكين اسرائيل من استكمال مشروع «الامر الواقع» الاستيطاني في الضفة الغربية، وثانيا الى سحق اي تنظيم معارض في العالم العربي.. تستوي في ذلك المنظمات الاسلامية الراديكالية مع المنظمات الوطنية. وفي هذين السياقين استطاعت واشنطن ان تستقطب تأييدا كاملا وناشطا من الحكومات العربية. وعندما ننظر الآن عند نهاية السنة الى الوراء لنتأمل الصورة «البانورامية» العريضة للعالم العربي التي تبلورت على مساحة العام، فاننا نكتشف ان اغلب تفاصيلها مسلسلات من اعتقالات الناشطين السياسيين ومواجهات مع الشارع. اما الاستخلاص العام الذي يمكن ان نخرج به من اجمالي احداث العام فهو ان المحاور الثلاثة المذكورة ـ فلسطين والعراق ومحاربة الارهاب ـ مرتبطة عضويا ببعضها البعض من منظور واشنطن الاستراتيجي. فالمقاومة الفلسطينية المسلحة تصنف تحت بند «النشاط الارهابي».. ومعها «حزب الله» اللبناني. والتحرش بالعراق تمهيدا لضربه عسكريا ـ اذا سمحت الظروف الدولية ـ ينطلق من اعتبارات الالتزام الاميركي الثابت بمتطلبات ضمان امن اسرائيل على المدى البعيد. وهدف الحملة ضد الارهاب هو ترعيب واسكات كل تنظيم عربي يمكن ان يكون في نشاطه تهديد للمصالح الأميركية في المنطقة او استهداف لاسرائيل بصورة مباشرة او غير مباشرة. ولعل ابرز مثال في هذا الصدد هو منع المنظمات الخيرية العربية من مواصلة ارسال مساعدات مالية ـ او حتى انسانية ـ الى اسر الشهداء في فلسطين. لقد كان عام 2002، بايجاز، عام ترسيخ النفوذ الاستعماري الاميركي في المنطقة العربية. وسوف يكون عام 2003 مجرد امتداد للعام المنصرم. وأهم سؤال يجب ان يطرح في هذا الصدد هو: هل يشهد العام الجديد تراجعا كاملا للانتفاضة الفلسطينية؟ ولا نملك الا ان نقول ان الغد في كل الاحوال افضل من اليوم.. أو هكذا يجب ان نأمل.