الاربعاء 27 شوال 1423 هـ الموافق 1 يناير 2003 لا نعتقد ان اتهام أميركا المفاجئ لايران باخفاء نشاطها النووي، يأتي هكذا الا ان يكون وراء الأكمة ما وراءها من نواياها المبيتة للعدوان على ايران، فقبل احداث الحادي عشر من سبتمبر لم يسبق ان استهدفت أميركا العراق بالحرب بدعوى امتناعه عن مواصلة المفتشين الدوليين مهامهم في تعقب انتاجه لأسلحة الدمار الشامل من عدمه، وان ظلت تحرك مجلس الأمن لتشديد الحصار المفروض على العراق وتمديده الى أجل غير مسمى. ولكن بمجرد تبني أميركا الحرب الصليبية غير المعلنة ضد العراق والمسلمين، حتى كان استدعاء، العراق بعد افغانستان للمثول تحت وابل الاجتياح العسكري الأميركي الوشيك، وانتهاك سيادته وتقسيمه والهيمنة على ثرواته النفطية وموقعه الاستراتيجي العام الذي يقع على مرمى حجر من ايران التي تمثل الضلع الثاني في «محور الشر» الأميركي، الى حين تتهيأ الفرصة السانحة ويأتي الدور للعدوان على الضلع الثالث وهي كوريا الشمالية. واذا كان ثمة اجماع بين المراقبين على ان العراق لا يشكل خطرا داهما يهدد الأمن القومي الأميركي حتى لو كان لا يزال في حوزته أسلحة الدمار الشامل، ورغم ذلك تحشد الولايات المتحدة أساطيلها الجوية والبحرية وقواتها البرية استعدادا لشن الحرب ضد العراق، لا لأنها تتسق مع الاستراتيجية الاميركية الرامية منذ نهاية الحرب الباردة الى الهيمنة كقوة احادية على مقدرات العالم فحسب، وانما لأن هذه الحرب تصب كذلك في مصلحة الأمن القومي لاسرائيل، أو هي بمعنى آخر متكافئ حرب بالوكالة عن اسرائيل، واذا كانت اسرائيل قد غامرت بضربات صاروخية جوية لتدمير المفاعل النووي العراقي، فلماذا استبعاد أن يتكرر نفس الأسلوب ضد المفاعلات النووية الايرانية سواء عبر أميركا أو اسرائيل، خاصة وان تجربة الصاروخ الايراني «شهاب3» أكدت على امكانية تزويده برؤوس نووية أو كيميائية أو جرثومية، خاصة وان مداه الذي يصل 1300 كيلو متر يمكنه ان يطول أي مكان في اسرائيل، فهل باتت ايران قوة نووية، وخطر بالتالي يهدد اسرائيل؟ الغريب في الأمر ان وراء الترويج لهذه الخطورة المزعومة، شركات اهلية اميركية تعمل بالمقابل لمن يدفع، حتى في مجال التجسس وتقديم التقارير المعلوماتية للبنتاغون والادارة الاميركية، وكانت قناة «سي. ان. ان» الفضائية قد بثت مؤخرا تقريرا وصورا جوية حول نشاطات نووية تتكتم عليها ايران، كان قد توافر على اعدادها فريق للتجسس والاستطلاع الجوي ضمن نشاط العلاقات العامة التي يقوم بها معهد العلوم والامن الدولي، وهو شركة قطاع خاص يرأسها دايفيد أولبرايت، وتؤكد هذه المعلومات ان ايران انتهت من بناء معمل في مدينة «ناتاترا» لانتاج اليورانيوم المخصب، واخر في مدينة «اراك» لانتاج المياه الثقيلة، بما يعني علميا وعمليا ان لدى ايران خطة بعيدة المدى لتصنيع اسلحة نووية، خاصة وانها نجحت في جذب عدد من خبراء الاتحاد السوفييتي السابق في المجالات النووية، لممارسة نشاطهم في المفاعلات النووية بمنطقة بوشهر، وبينهم اندريه كلاشينكوف وفلاديمير ميري من أوكرانيا. على ان ايران التي تفتح مفاعلاتها ومعاملها النووية للتفتيش الدولي، والتزمت بابلاغ الوكالة الدولية للطاقة النووية بخطتها الطموحة لانتاج 6000 ميغاوات من الطاقة النووية عبر هذين الموقعين قبل مضي ستة شهور كما تقضي التعليمات الدولية، الا ان صحيفة «ديلي تلغراف» شككت في هذا النشاط بدعوى أن ايران غنية بالبترول والغاز. وليست بالتالي في حاجة لانتاج الطاقة النووية الباهظة المكلفة، ومن هنا كان اعلان الدكتور محمد البرادعي رئيس الوكالة الدولية للطاقة النووية اعتزامه زيارة ايران في غضون الاسابيع المقبلة للتحقق من الامر. لكن من المرجح ان يواجه اشكالا من الضغوط والتدخلات الاميركية على غرار مايلقاه المفتشون الدوليون الآن في العراق، اذ في كل الاحوال يتعين الحذر والتحوط ازاء الادعاء الأميركي على ايران حول انتاجها أسلحة الدمار الشامل، سواء الكيماوية أو الجرثومية وأخيرا النووية. صحيح ان ايران قدمت لأميركا معلومات مهمة في حربها بأفغانستان، وطردت عناصر القاعدة وطالبان التي لجأت اليها، ووافقت على استقبال والتعامل مع المعارضة العراقية، وكل هذه المبادرات موضع ترحيب الولايات المتحدة، لكن من باب كسب الوقت فقط الى حين يأتي الدور على ايران بعد العراق. ـ كاتب مصري