الاربعاء 27 شوال 1423 هـ الموافق 1 يناير 2003 احيانا ينتابني الخوف الشديد من هامشية الدور العربي في الحرب القادمة ضد العراق، فالولايات المتحدة صبغت الكثير من الدول العربية باللون الرمادي اي انها حليف غير موثوق به لواشنطن، او ان نظام الحكم به عيوب لابد من اصلاحها حتى تعود المياه الى مجاريها، والدول العربية تحاول جاهدة محو هذا اللون الذي لايجلب لها الاطمئنان، لتعيد طلاء نفسها باللون الابيض أي ان تصبح حليفا استراتيجيا للبيت الذي يحمل نفس اللون. ليس للدول العربية دور يعتد به او يذكر في المخططات الاميركية القادمة، فمن يقرأ ما تكتبه مراكز الدراسات الاميركية عن المنطقة يشعر بالخوف من القادم، وكأننا قطيع في حظيرة ننتظر قدوم الجزار لنجابه قدرنا البائس، فالدول العربية وشعوبها وحضارتها محيت بممحاة من الذاكرة الاميركية والغربية، ولا ينظر الى المنطقة إلا انها محطة وقود ضخمة لابد من استغلالها لصالح المخططات الاميركية، ولصالح الشعب الاميركي فقط. هناك دولتان في المنطقة تضع لهما واشنطن وزنا وتحاول ارضاءهما، ايران وتركيا، وسنتحدث هنا عن ايران التي يرسم لها دور غير الدور الذي رسم مسبقا في مخيلة الكثيرين، فايران اليوم امام خيارين، الاول ان تكون الى جانب الولايات المتحدة الاميركية في حربها ضد بغداد، والثاني ان تنأى بنفسها عن تلك الحرب وتحصن جبهتها الداخلية بالمتاريس استعدادا لحرب طويلة الاجل مع واشنطن. لانعلم ما يدور في الكواليس المغلقة في طهران، ولا احد يستطيع تاكيد ما يقوله الكثير من اجهزة المخابرات الغربية من ان هناك رغبة ايرانية في التعاون مع واشنطن لاسقاط نظام صدام بشروط ايرانية قد تقلب المنطقة راسا على عقب فيما لو تم قبولها، فقد ذكرت بعض تلك الاجهزة ان محادثات سرية دارت بين وزير الخارجية البريطاني جاك سترو، والقيادة الايرانية بشأن طلب اميركي لاستخدام القواعد الايرانية المحاذية للعراق وخصوصا في منطقة كرمنشاه التي تحتاجها القيادة العسكرية الاميركية لاحكام الحصار حول بغداد من جهة الشرق، وقطع الطريق على اي مساعدات قد تدخل اليها خلال فترة الحصار، ولكن وزير الخارجية الايراني نفى تلك الاخبار من اساسها في اكتوبر الماضي. ليس دورنا الان التأكد من صحة هذه الاخبار او عدمها، ولكن لنسرد على الاقل ما نقلته الاجهزة الخاصة عن هذا الموضوع، فايران لديها رغبة عارمة - كما تؤكد تلك الاجهزة - في التقرب من اميركا خوفا على وضعها، وخصوصا ان القوات الاميركية تحاصرها من الشرق، وقريبا ستكون على حدودها غربا، وقد طلبت ايران من واشنطن نظير تعاونها في الحرب القادمة جزءاً من الكعكة العراقية، باشراك الشركات الايرانية في استخراج النفط العراقي من الجنوب، والدخول في شراكة استراتيجية مع الشركات الاميركية لاقتسام الربح، وخصوصا ان طهران مازالت تطالب بتعويضات من جراء حرب الخليج الاولى التي تحمل بغداد مسئوليتها، ففي وضع كهذا ستكسب ايران نفوذا في المنطقة غير مسبوق، وستتحكم في نسبة عالية من انتاج النفط، وسيقل دور الرياض بشكل كبير لينتقل الى بغداد وطهران التي سيكون لها دور اقليمي واسع ممتد من اسيا الوسطى حتى ساحل البحر الابيض المتوسط حيث معاقل حزب الله، وقد ينتج عن هذا التعاون تحجيم الحزب ليكون دوره سياسيا فقط، وهذا ما تريده واشنطن خلال المرحلة القادمة. ولكن ماذا لو اصرت طهران على موقفها من واشنطن وحافظت على العداء القائم، وتنابذ الطرفان بالقاب مثل محور الشر و الشيطان الاكبر، عندئذ قد يتغير الحال، ويختلف المآل، فستقوم واشنطن بدعم جناح شيعي يرى فصل الدين عن الدولة في النجف كما هو الحال تحت حكم صدام حسين، ليوازن الحكم الديني السياسي في طهران، وقد يكون صوت هذا الجناح اقوى في اوساط الشيعة خارج ايران كما حذرت صحيفة Iran Daily في عددها الصادر بتاريخ 17 ديسمبر، التي قالت بان القيادة الدينية في النجف قد تتأثر بالوجود الاميركي في المنطقة وتتبنى مسألة فصل الدين عن الدولة في موقف مخالف للمدرسة في قم الايرانية، وحذرت الصحيفة في نهاية تحليلها القيادات الدينية في ايران من ذلك. في سيناريو كهذا ستضخ الشركات الاميركية النفط العراقي بشكل هائل ليهبط سعر البرميل الى 14 دولاراً كما تنبأت وزارة الطاقة الاميركية بذلك، لتؤدي بالاقتصاد الايراني الى الحضيض، وقد تقوم قائمة الاقليات كالاذريين والبلوش والعرب والتركمان والاكراد الذين يبحثون عن دور سياسي لهم في الدولة الايرانية ليجابهوا الحكومة المركزية في طهران، حينئذ لا بد ان تنسى طهران اي دور سياسي لها في وسط اسيا او في وسط شيعة العالم، وقد تنكفئ على ذاتها محاولة لعق جراحها وسد ثغرات اقتصادها. لنسأل انفسنا سؤالا هنا: ماذا كنا سنختار لو اننا اصحاب القرار في طهران ؟ ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت» Qatar877@hotmail.com