الاربعاء 27 شوال 1423 هـ الموافق 1 يناير 2003 التصعيد العسكري الذي تتزايد وتيرته يوميا من حول العراق وفي الاراضي الفلسطينية المحتلة حاملا مؤشرات اضافية على احتمالات سقوط كل الخطوط الحمر التي كانت تمنع الانفلات الشامل حتى الان، يطرح تساؤلات جدية حول مصير منطقة الشرق الاوسط برمتها، وحول المدى الذي يمكن ان تصل اليه الاطراف المتصارعة في هذه المواجهة التاريخية الفاصلة. ففي الموضوع العراقي، لم تعد النتائج المنتظرة لمهمة المفتشين الدوليين الباحثين عن اسلحة الدمار الشامل هي المؤشر الحاسم على احتمالات الحرب الاميركية ـ وهي لم تكن كذلك من قبل ـ وانما يرتبط تحديد موعد الصفر وانطلاق الصواريخ الاميركية باكتمال الاستعدادات العسكرية وترتيب بعض الاتفاقيات الخاصة بساحة المعركة واعداد الاطراف المشاركة فيها، داخل العراق وحوله. ومن الواضح ان ادارة الرئيس جورج بوش لا تقيم وزنا، لا لنتائج مهمة المفتشين ولا لاي معلومات تقدمها الحكومة العراقية في شأن المواد المحظورة التي تثير الجدل حول وجودها او عدم وجودها في العراق، وهي بذلك حسمت امرها سلفا، وتجاوزت الان في موقعها مرحلة اتخاذ القرار الى توفير الشروط الفنية والسياسية لتنفيذه، بغض النظر عن الانتقادات والتحذيرات التي تصدر عن عواصم بعض الدول المعنية. وفي الموضوع الفلسطيني بات من الواضح ايضا ان الحكومة الاسرائيلية غير مهتمة اطلاقا بالمحاولات المبذولة، فلسطينيا وعربيا ودوليا، لتحقيق اي نوع من التهدئة تسمح باستئناف المساعي السياسية والدبلوماسية لايجاد تسوية للصراع القائم، يؤكد ذلك تواصل العمليات العسكرية في صورة شاملة، وتصفية الناشطين الفلسطينيين، وقتل المدنيين، دون تفريق بين طفل وامرأة وعجوز، واعتقال الالاف من الشبان، بالاضافة الى هدم عشرات المنازل وجرف الاراضي الزراعية وتدمير الممتلكات واقامة المزيد من العوائق والحواجز بين المناطق الفلسطينية يجعل الانتقال بين منطقة واخرى امرا مستحيلا، او يصل الى حالة التعذيب الجسدي والنفسي التي لاتطاق. ومع ان حكومة شارون تستفيد انتخابيا من خلال اظهار تشددها ضد الفلسطينيين، كما تشير نتائج الاستطلاعات المنشورة في الصحف الاسرائيلية، لكن المحللين يرون في السياسة الاسرائيلية المعتمدة حاليا، والتي تتعمد استفزاز المنظمات الفلسطينية لحملها على الرد بعمليات استشهادية تكون ذريعة لتصعيد عسكري اسرائيلي مضاعف في ظل شعارات «مكافحة الارهاب» محاولة مكشوفة لاقامة جسر من العنف يربط بين ما يحدث في فلسطين المحتلة والحرب الاميركية المتوقعة ضد العراق. وبذلك فإن اسرائيل لا تجعل من نفسها طرفا في الحرب الاميركية وحسب، وانما تمهد لتصبح شريكا رئيسيا في نتائجها ومكاسبها المتوخاة، وفي هذا المجال فإن الحسابات الاسرائيلية تتجاوز الفوائد الاقتصادية والسياسية ومغانم البترول المتوقعة وانفتاح الاسواق المغلقة حتى الان في وجه الدولة العبرية، الى محاولة فرض «الحل النهائي» للمشكلة الفلسطينية كما يريده شارون، اي بترحيل الفلسطينيين الى الاردن او الى العراق، او الى الاثنين معا. استعدادات اسرائيلية وفي هذه الاجواء المحمومة يمكن ملاحظة امرين متلازمين في اسرائيل: الاول، تزايد الكلام عن «الحسم العسكري» المقرر ضد الفلسطينيين لحملهم على الاستسلام نهائيا، او دفعهم الى الرحيل الجماعي اذا فشلت هذه المحاولة، والثاني رفع وتيرة الاستعداد للحرب واتخاذ اجراءات دفاعية غير مسبوقة في حجمها ونوعيتها والتقنيات المستخدمة فيها وكأن اسرائيل هي المهددة بالغزو وليس العكس. ويجمع المحللون على القول ان اسرائيل تتعمد المبالغة في تضخيم استعداداتها العسكرية لتظهر امام الولايات المتحدة بخاصة، وامام العالم كله بعامة في مظهر الضحية، كما كانت تفعل دائما ولاتزال، وبذلك تغطي على الجرائم التي ترتكبها يوميا ضد الفلسطينيين، كما تبتز اطرافا دولية عديدة للحصول على المزيد من الدعم المادي والمعنوي، برغم انها الطرف المعتدي والمعرقل لكل المشاريع السلمية في المنطقة. ويمكن ادراج المحاولات التي تبذلها اسرائيل منذ نوفمبر الماضي للحصول على اسلحة المانية حديثة في هذا الاطار، وكانت الحكومة الاسرائيلية طلبت من بون تزويدها بغواصتين اضافيتين ومئتي ناقلة جنود مدرعة من نوع «فوكس» بالاضافة الى صواريخ «باتريوت» المضادة للصواريخ. ويتبين من وقائع سابقة ان شيئا مماثلا حدث قبيل حرب الخليج الثانية عندما تقدمت اسرائيل بلائحة طلبات الى المانيا للحصول على اسلحة مختلفة، وقد لبت برلين الطلبات الاسرائيلية كلها انذاك، وذلك تحت تأثير ضغوط اميركية مباشرة مارسها الرئيس السابق جورج بوش «الاب» كما تمت تلبية رغبة اسرائيل بـ «اهدائها» غواصتين حديثتين، الى جانب غواصة ثالثة مازالت قيد الانجاز سيدد الاسرائيليون ثمنها عن طريق تزويد البحرية الالمانية باجهزة خاصة بالغواصات، وفي هذا الشأن ذكرت مجلة «دير شبيغل» الالمانية ان مجلس الامن الاتحادي الذي يرأسه المستشار غيرهارد شرويدر وافق خلال السنوات الاربع الماضية على 67 طلبية اسلحة لمصلحة اسرائيل، ورفض ثلاث طلبيات فقط. وكانت المانيا جمدت بعض طلبات اسرائيل الخاصة بالحصول على اسلحة معينة بسبب ضراوة الحملة العسكرية الاسرائيلية ضد الفلسطينيين، ومع ان حكومة شرويدر ابدت تحفظات مبدئية في شأن تزويد اسرائيل بمزيد من مدرعات «فوكس» باعتبارها سلاحا هجوميا ويحتمل ان تستخدم ضد الفلسطينيين، كما حدث في مرات سابقة، الا انها ابدت اهتماما واضحا بالطلبات الاسرائيلية الجديدة، وخلال الزيارة التي قام بها الرئيس الاسرائيلي موشيه كاتساف لبون اخيرا حاول ممارسة ضغوط جديدة على الحكومة الالمانية لحملها على الاستجابة للطلبات الاسرائيلية، وخاصة فيما يتعلق بمدرعات «فوكس» لكن المستشار الالماني شرويدر اعلن في تعقيبه على هذه المحاولات ان اسرائيل تقدر ما يمكن ان نقدمه لها على ارضية قوانيننا. الازدواجية الالمانية وفي هذا الصدد يتوقف المراقبون امام ما يمكن تسميته بازدواجية السياسة الالمانية حيال اثنتين من ابرز قضايا منطقة الشرق الاوسط في الوقت الراهن: قضية الحرب الاميركية المحتملة ضد العراق، قضية تسليح اسرائيل. بالنسبة للقضية الاولى اتخذت الحكومة الالمانية موقفا واضحا وحازما، برفض المشاركة في اي جهد يتعلق بالحملة العسكرية الاميركية ضد العراق، والامتناع عن تقديم اي دعم مالي او مساهمة لوجستية برغم ان ذلك تسبب في حدوث شرخ عميق في العلاقة الالمانية ـ الاميركية، ومن الواضح ان الحكومة الالمانية لاتزال تصر على موقفها من هذه المسألة، برغم ان البعض اعتبرها وسيلة شعبية لتعزيز قوة التحالف القائم بين الحزب الاشتراكي الديمقراطي بزعامة شرويدر وحزب الخضر بزعامة وزير الخارجية يوشكا فيشر خلال الانتخابات الاخيرة، وقد برر التحالف الحاكم موقفه هذا بالرغبة في حل المشكلة العراقية بالوسائل السلمية وعبر مجلس الامن الدولي، وعلى الرغم من الضغوط الشديدة التي مارستها واشنطن على بون لثنيها عن هذا الموقف، الا ان الاخيرة اكدت رفضها الحازم لان تصبح طرفا في الحرب المحتملة ضد العراق، انطلاقا من اعتبارات مبدئية تجد تأييدا كبيرا داخل المانيا، وهو ما عكسته نتائج الانتخابات الاخيرة. اما بالنسبة للقضية الثانية، فإن الموقف الالماني يبدو مختلفا ومتناقضا مع جوهر الموقف الاول، صحيح انه لم يكن لالمانيا سياسة مستقلة حيال الشرق الاوسط باستثناء التأييد التقليدي لما يسمى «أمن اسرائيل»، لكن هذه السياسة بدت اكثر وضوحا، واكثر موضوعية في السنوات الاخيرة، اذ بات لها مقومات محددة، من خلال الاتحاد الاوروبي، وثمة اختلاف كبير بين الانقياد الالماني الاعمى وراء المفهوم الاسرائيلي للامن، كما كان الحال سابقا، وبين اعتماد موقف الماني يستمد مقوماته الرئيسية من السياسة الاوروبية الجامعة التي تعتبر تحقيق السلام في الشرق الاوسط الضمانة الوحيدة لامن اسرائيل ولأمن الدول الاخرى في المنطقة بعد قيام دولة فلسطينية مستقلة، ذلك انه في غياب السلام لن يتحقق الامن لأي طرف من الاطراف. والمثير للاهتمام هنا ان السياسة الالمانية بدت خلال السنوات الماضية اكثر انسجاما مع متطلبات تحقيق السلام في المنطقة سواء فيما يتعلق بالمشاريع الاوروبية المشتركة، او بالنسبة لتقديم دعم مادي سخي، الماني مستقل، مكّن الشعب الفلسطيني من اقامة بناه التحتية وتحديث مؤسساته وتنفيذ العديد من مشاريعه الحيوية، لكن ذلك لا يستقيم مع تقديم السلاح الى اسرائيل في الوقت ذاته. فالحكومة الاسرائيلية التي تستخدم آلتها العسكرية الضخمة ضد الشعب الفلسطيني لا توفر اي نوع من السلاح في اعتداءاتها المتواصلة على الفلسطينيين، سواء كان هذا السلاح اميركيا او المانيا او بريطانيا، ومن المؤكد ان تزويد الدولة العبرية بالمزيد من الاسلحة المتطورة، بما في ذلك مدرعات «فوكس» الالمانية وغيرها، يتسبب في الحاق المزيد من الاذى بالشعب الفلسطيني هذا من جهة، كما يشجع حكومة التطرف في اسرائيل على اعتماد سياسات متقنة تؤدي الى تدمير عملية السلام في المنطقة، واطلاق المزيد من موجات العنف التي تطال الجميع بدون استثناء. الخوف من اسرائيل ومن هذه الناحية يبدو الموقف الالماني غير مفهوم على الاطلاق وثمة تساؤلات متزايدة داخل المانيا حول المدى الزمني الذي يمكن ان تستمر عليه الحالة التي يعتبر فيها انتقاد السياسات الاسرائيلية المدمرة لعملية السلام في المنطقة من المحرمات، وكذا الحال بالنسبة لمواصلة الخضوع للابتزاز الاسرائيلي، من خلال التذكير بموقف الحكم النازي من اليهود خلال الحرب العالمية الثانية. حيال كل ذلك، لم يعد خافيا الدور الاسرائيلي في تدمير العملية السلمية وتسعير موجة العنف في المنطقة وكذلك التحريض على شن حرب مدمرة على العراق، والحال ان اي دعم عسكري للدولة العبرية يصب بالضرورة، في هذا الاتجاه، ويشجع الحكومة الاسرائيلية المتطرفة على التمادي في سياساتها العدوانية. واذا كانت الحكومة الالمانية، او اي حكومة غربية اخرى تريد ان تعتمد سياسة منصفة حيال النزاع في الشرق الاوسط، فإن اول ما ينبغي عليها ان تفعله التوقف عن تقديم الدعم للاحتلال الاسرائيلي، سواء كان هذا الدعم سياسيا او عسكريا وهذا اضعف الايمان. ـ كاتب لبناني مقيم في فرنسا