الاربعاء 27 شوال 1423 هـ الموافق 1 يناير 2003 ثمة مشهد يومي يتكرر في قنواتنا الفضائية ويعكس حالة اللافاعلية لاعلامنا المرئي نظراً لفقدانه التواصل مع الاهداف الحقيقية للرسالة الإعلامية، الأمر الذي أدى الى اصابة عدد غفير من المشاهدين بحالة من الهلوسة المؤقتة أو الدائمة وانعدام القدرة على اتخاذ القرار المناسب فيما يختص بالدور الانساني والوطني الذي يجب ان يتخذه كل فرد مسلم ليدعم قضايا العرب والمسلمين في العالم. هذه الحالة الإعلامية تصلح لأن تكون مدخلاً مناسباً لنتعرف من خلاله على ما آلت اليه أمورنا بفضل إعلامنا الفاقد للهوية، الذي بات يقودنا الى دروب شتى ليس من بينها درب واحد صحيح! ولقد آثر الإعلام ان يساهم بدور كبير في تثبيت الصورة الذهنية التي تلتصق في ذهن المشاهد عن طبيعة الاحداث التي تدور في منطقته التي تزداد غلياناً يوماً بعد يوم، مما أدى الى اصابة المشاهد بحالة من الارتباك وعدم القدرة على الرؤية الكاملة للواقع من حوله دونما أي مبرر لممارسة مثل هذا النوع من التشويش الذي يساهم في تكريس حالة العجز عن اتخاذ القرارات المناسبة على مستوى الأفراد والجماعات. ولقد كان حرياً بالإعلام المرئي ان يتخذ لنفسه موقعاً ريادياً في توعية المشاهد بأدواره الملحة في مثل هذه الظروف الدولية والمحلية البالغة التوتر، كي تبرأ ذمته ويعفى من تبعات الاتهام الصريح بالعبث بمشاعر المشاهد واصابته بالاعاقة الذهنية والعجز عن تحديد دور ايجابي يحقق به مواطنته وانتماءه لهذه الأمة! والشواهد على هلامية الدور الإعلامي، وانعدام مصداقيته أكثر من ان تحصى، غير اننا سنختار شاهداً واحداً يؤكد على تراجع الدور الإعلامي عن مواقفه المسئولة، ويصلح للتطبيق على الحالة الإعلامية برمتها. والشاهد المنتخب من بين مئات الشواهد هو البرنامج الحواري الذي بثته مؤخراً احدى القنوات العربية الشهيرة جداً، والتقت من خلاله بالمفكر السياسي البارز والكاتب الملتزم فهمي هويدي ليستعرض الاخطار المحدقة بالأمة، ويشخص الأسباب والعلل التي أفضت الى هذا الواقع البالغ التأزم والخطورة. وبعد مضي ربع ساعة من التحليل السياسي الساخن للواقع المثير للقلق والتأثر، وبعد ان بلغ التركيز على المعاني الكبرى التي أثارها هذا الحديث الذي لا تنقصه الصراحة والوضوح، إذا بمقدم البرنامج يلتقط خيط الحديث ويطلب من المشاهدين البقاء قريباً من الشاشة لحين انتهاء الفاصل الإعلامي القادم. ومثل لمح البصر يغيب المشهد الجاد وتطل احدى الحسناوات والضحكة تملأ وجهها الباسم لتدعو المشاهد الكريم ليشاركها في البحث عن «كنز العطار»، حيث الملايين في انتظار صاحب الحظ السعيد الذي ليس عليه إلا ان يتصل على أحد الارقام المعروضة على الشاشة كي يفتح له باب الحظ ويحقق كل أحلامه مع هذا الكنز، ثم ينتهي الفاصل الإعلاني الذي حمل المشاهد على بساط السندباد إلى أرض الأساطير وغير مشاعره الثائرة على الواقع السلبي وبدّل شعوره السابق من حالة الخوف على مصير شعب العراق إذا ما ضغط رجل المارينز على مفتاح اطلاق احدى القطع العسكرية التي بحوزته ووجهها الى تلك الصدور العارية إلا من الإيمان بحقها المستباح. أو إذا ما سبقه الى ذلك الفعل الشنيع أحد الخبراء المدربين على اطلاق الصواريخ في اللحظة والمكان الذين يحددهما ساسة البيت الأبيض!! الى مشاعر أخرى تتناقض مع الاحساس بالمشاركة والتضامن مع المسلمين في كل مكان، مما يثير ألف سؤال وسؤال عن هذا الأداء الإعلامي المتناقض، وعن فقدان المصداقية في الاتجاه الى الجديد على حساب اللهو والعبث!! أوليس هذا التشرذم في المشهد الإعلامي وعدم مراعاة طبيعة المادة المعروضة وتعريضها للتوقف من أجل بث مادة إعلامية متهالكة القيمة وتهدف إلى ابعاد المشاهد عن التفاعل مع القضايا الكبرى، والهائه عن المشاركة في أداء واجبه تجاه أمته واخوته في كل مكان هو أمر يثير التقزز والاستياء، ويدعو الى الغضب الشديد من هذا الافلاس في الرسالة الإعلامية المعاصرة، وهذا التدافع نحو جلب المال من جيب المستثمر التجاري وفق شروط ذلك المستثمر مما سحب البساط من أهل الإعلام.. لكن إلى متى؟! هذا ما ستجيب عنه الأيام المقبلة.. وكل عام وأنتم بخير.