الثلاثاء 26 شوال 1423 هـ الموافق 31 ديسمبر 2002 يوقعني الكتاب في الورطة ذاتها كلما وقفت أمامه كما يقف العاشق أمام من يحب: متردداً .. مرتجفاً .. حائراً لا يدري ماذا يفعل وماذا يقول .. ماذا يريد وماذا يترك؟! وكلما هل موسم معرض الكتاب (ان في الشارقة أو في أبوظبي) تزداد الورطة، وتكبر .. وتحتاج مني لجهد كبير كي اضبط ايقاعاتها؟! شراء كميات كبيرة من الكتب في مواسم المعارض هو اكثر من ورطة في ظل: غلاء أسعار الكتب . وضيق الوقت ومحدودية الزمان الذي يتاح فيه الكتاب لنا بهذه الحرية الجميلة .. وشراء كميات من الكتب هي ورطة اغلب المثقفين، انها التعبير الصريح لعلاقة العشق الذي لا يمكن اخفاؤه ولا يمكن الخلاص منه. وكما يفتح الكتاب شهيتنا للمعرفة .. ويقودنا في ظلام التيه وجنون الاستهلاك نحو الحكمة وطرقات الطمأنينة والثقة، يفتح فضاءات العقل لعشرات القضايا والاسئلة حتى تصل بنا الاسئلة الى ساحات المحاكمات الصعبة: محاكمة الواقع، محاكمة الانظمة السياسية، محاكمة الذات العربية، محاكمة التاريخ، ومحاكمة كل الذين يضعون ايديهم على صناديق المعرفة وكنوز العلم بطريقة رجال الكنيسة في القرون الوسطى. الحكاية لا يمكن تجزئتها، ولا يمكن اختصارها .. فالعرب لا يقرأون! ليس لأن ثمن الورق مرتفع، ولا لأن اسعار الشحن عالية .. وبالتأكيد فمرد عزوفنا عن القراءة لا يعود الى الحبر والطباعة وارتفاع الاسعار .. نحن لا نقرأ لاننا فقدنا البوصلة منذ زمان، فقدنا ايماننا بالعلم والمعرفة وبالعلماء والعارفين، منذ صار المهرج والشاعر المنافق أهم واكثر قرباً من العالم والمثقف .. منذ فتحت قصور الامراء والسلاطين وأصحاب القرار للمطربين والأفاقين وسارقي الثروات بمعسول الكلام. فتراجع شأن العاقل والعارف والبصير والحكيم، لا لشيء الا لانهم لا يعرفون مغازلة الغرور وامراض النفوس. نحن لا نقرأ لأن أنظمتنا لا تريدنا ان نقرأ، ولذلك فهي لا تهتم بالكتاب وبالقاريء، كما تهتم بالبهرجة والمظهرية، ومن هنا صار للنجوم والمطربين والراقصات والراقصين ولاعبي الكرة، وملكات الجمال شأن ومكانة، وصحف وفضائيات، ومحافل وندوات .. بينما انزوى الكتاب وتداعت المعرفة .. صارت القراءة هواية بعد ان كانت فرضا وواحدة من تعاليم الدين استجابة للأمر الالهي (اقرأ)!. القراءة ليست هواية أبدا .. انها الأمر الرباني الأول الذي بدأ به الدين الذي بزغ في صحراء قاحلة لا زرع فيها ولا ماء، ولا يعرف اهلها من ابجديات الحضارة سوى صناعة الكلمة: شعرا ونثرا وحكما وحكايات .. فلا عجب ان نؤمر بالقراءة ابتداء كي نضع اول خطواتنا في طريق الافق الانساني الحضاري الهائل، كان ذلك سر الأمر (اقرأ) الذي نسيناه مع ما نسينا خلال قرون التيه العربي الاسلامي الذي دخلناه منذ معركة الجمل وصفين والنهروان، وانقسام الأمة ووقوف المسلم العربي شاهرا سيف الدنيا والملذات والمصالح في وجه اخيه المسلم العربي. نحن لا نقرأ لأننا فقدنا ايماننا بأنفسنا، وبدورنا وبقدرتنا على ان نكون فاعلين في المسيرة لا مفعولاً بهم على الدوام . فقدنا احساسنا بأهمية فعل المعرفة وشهوة بناء الحضارة والحياة .. تبلدنا من جهاتنا الاربع وباغتنا التبلد من الجهات الفرعية ايضا!! معرض الكتاب يفتح شهية القراءة المفتوحة على مصراعيها كل الوقت .. كما يفتح شهية الاسئلة والأسى لكنه يفتح القلب واسعا كي يقدم كل الشكر لراعي مسيرة الثقافة ومحتضن شجون وشئون المثقف وهموم الكتاب صاحب السمو الدكتور سلطان بن محمد القاسمي الذي اتمنى من كل قلبي ان يحقق أمنية تداعب خاطري هي ان يحمل المعرض اسم : معرض الامارات الدولي للكتاب تعميقا للوطن في ذاكرة الحضارة .. وغرسا للكتاب في ذاكرة ابناء الوطن .. وله كل التقدير مبتدءا وختاما.