الثلاثاء 26 شوال 1423 هـ الموافق 31 ديسمبر 2002 تتميز المدن الصغيرة في أوروبا بهدوئها وطبيعتها الخلابة وجمال مناخها، كما ان لها طعماً خاصاً يميزها عن شقيقاتها الكبرى مثل لندن وباريس وجنيف، إذ تجعلك هذه المدن الصغيرة تبني علاقات استثنائية مع الطبيعة، بعيداً عن صخب المدن الكبرى، وتعتبر تلك المحيطة بجبال الالب من أشهرها، إذ تغطيها مساحات كبيرة من الغابات والسهول الخضراء، وتعد من بين أفضل الأماكن للراحة والاستجمام، ليس لطبيعتها فحسب، بل لمستوى منتجعاتها الفاخرة المنتشرة في أجمل المواقع والتي تتميز بتقديم أفضل الخدمات ووسائل الترفيه المختلفة للعائلات. وتتنافس أغلب الدول المطلة على جبال الالب مثل النمسا وفرنسا وسويسرا على جلب السياح صيفاً وشتاءً وتسعى الى توفير سبل الراحة للزائر ليجدد نشاطه وحيويته بعيداً عن التوتر بهدف تشجيعه على التواصل مع الطبيعة والاستمتاع بالخدمات الصحية المقدمة في منتجعاتها. وكثيرون جداً لا يرتاحون إلا في مثل هذه المناطق، خاصة رجال الأعمال وكبار السن الذين تستهويهم المنتجعات الصحية. أما الأوروبيون عامة فلقد تعودوا على الذهاب إلى هناك ولو مرة في السنة. قضيت في الصيف الماضي أسبوعاً في المنطقة الواقعة بين سويسرا وفرنسا، وبالذات في منتجع «افيان» الفرنسي المعروف بطبيعته الجميلة ومياهه العذبة، فمن منّا لا يعرف مياه «افيان»؟ وخلال اقامتي هناك، تعرفت على شخص ايراني يزور دبي باستمرار بعد أن قدّم لي نفسه، فقال: «أنا من هواة الطبيعة وأعشق هذه المنطقة الجذابة واعتبرها الجنة الموعودة، فإلى جانب موقعها الجغرافي الممتاز فإنها تعتبر من أشهر مصادر المياه في العالم». واستمر مازحاً: «أعتقد انه بعد قيام الساعة سوف تكون هذه هي الجنة لنا نحن المسلمين». ثم قال: «لقد زرت الامارات عدة مرات وأحببتها، لكن أريد ان أعرف رأيك في الفرق بين مياه (افيان) والمياه المعبأة في الامارات؟ فلقد ذهبت الى المناطق التي تعبأ فيها المياه هناك، لكن لم أشاهد أي وديان أو ينابيع تشير الى وجودها، فمن أين تنتج هذه الكميات الكبيرة؟ وكيف؟». قلت له: «ليست لديّ معلومات محددة عن مصادرها، لكني متأكد من صحتها ونقائها، وهي لا تقل عن مياه افيان جودة». قال: «ما رأيك إذن في الفرق بين الطبيعة هنا وهناك؟ وانت معي إنه مهما بالغنا في وصف هذه المناطق فإننا لا نوفيها حقها». قلت: «هذا صحيح، لكن اعجابي بهذه المناطق لا يتعدى قضاء الاجازة الصيفية، لكنه لا يقلل من قيمة أرضنا ووطننا، لأننا لا نستطيع العيش هنا لفترة طويلة، ولو حصل ذلك قد لا تعجبنا الحياة هنا ونَحِن الى دفء وطننا، فأرضنا والحمد لله غنية ومعطاءة وتفيض بالخيرات، وبفضلها نعيش في أمان ونتردد على هذه الأماكن، وأهل هذه المناطق يأتون إلينا للهروب من جو الشتاء القارس، وكما تعلم فإن فصل الشتاء هنا يشيع الحزن والكآبة في نفوس سكانها، بعكس الشتاء عندنا الذي يشيع البهجة والتفاؤل وما نحن عليه الآن هو حصيلة جهود مضيئة جعلت طبيعتنا تلبي جميع الأذواق لدرجة ان بعض السياح يأتون إلينا على مدار السنة وفي جميع المواسم». فاستطرد قائلا: «مكانة الوطن في نفس كل واحد منّا لا تعادلها مكانة، لكن هذه هي طبيعتنا كبشر، عندما نكتشف مكاناً لأول مرة نعتقد دائماً انه الأفضل، كما قال أحد شعراء الفرس عندما زار كشمير وأسرته طبيعتها الخلابة وجبالها المكسوة بالثلوج(إذا كانت هناك جنة في الأرض فهي هذه.. وهذه، ثم هذه..) لكن على حد علمي لم يصل هذا الشاعر الى مثل هذه المناطق، وإلا كيف كان يمكن ان يصفها؟». قلت: «هذه هي حكمة ربنا.. يقسم الأرزاق كما يشاء».