الثلاثاء 26 شوال 1423 هـ الموافق 31 ديسمبر 2002 تنشغل الساحة الفلسطينية هذه الأيام بالحوارات التي تستضيفها وترعاها القاهرة، بدعم دولي واقليمي، بهدف مساعدة الفلسطينيين على ترتيب أوضاعهم، وتعزيز وحدتهم، وخصوصا للتوصل إلى شكل من أشكال التوافق على تهدئة الاوضاع ووقف استهداف المدنيين الاسرائيليين لاسيما داخل الخط الأخضر. وتكتسب هذه المحادثات أهميتها، أولا، من دخول الأطراف الدوليين والإقليميين على هذا الخط، وثانيا، من اللحظة السياسية الحرجة التي تجري فيها، لا سيما مع اقتراب موعد الانتخابات الاسرائيلية (أواخر يناير) ومع اقتراب لحظة الحسم في الحرب الاميركية المبيتة ضد العراق، وثالثا، من حاجة الفلسطينيين الماسة إلى تعزيز وحدتهم بالتوافق على استراتيجية سياسية وميدانية تعزز من صمودهم ومن قدرتهم على مواجهة التحديات الاسرائيلية، ورابعا، من ضرورة تفويت الاملاءات الاميركية (الاسرائيلية) التي تتعلق بادخال تغييرات على السلطة الفلسطينية والمجيء بقيادات أكثر ملاءمة للمصالح الاميركية والاسرائيلية، بدعوى الاصلاح والديمقراطية المتضمنة في خطة «خريطة الطريق». على أية حال، وبغض النظر عن ضغوط اللحظة السياسية ومتطلباتها، فقد ظلت الساحة الفلسطينية مسكونة، على الدوام، بهاجس الوحدة الوطنية، إلى درجة بات معها خطاب الوحدة، باختلافاته وتبايناته، يستهلك حيزا كبيرا ومهما في خطاب الفصائل الفلسطينية وتحركاتها السياسية، على حساب اهتمامها بقضية تطوير الحركة السياسية الفلسطينية، ومتابعة قضايا الشعب الفلسطيني، السياسية منها والمعيشية. والمفارقة أنه في كل مرة، كانت الفصائل ترفع هذا الخطاب لمواجهة ذات المنعطفات التاريخية، الخطيرة والنوعية، التي تمر بها الساحة الفلسطينية، منذ أواخر الستينيات وعلى امتداد السبعينيات والثمانينيات وصولا إلى أواخر التسعينيات!، إلى درجة بدا معها وكأن الفصائل السائدة قد أدمنت هذا الخطاب!. المشكلة هنا أن طرح قضية الوحدة الوطنية الفلسطينية، من قبل الفصائل المعارضة، على تبايناتها، يفترض مسبقا غيابها، فهو يعني أن الشعب الفلسطيني مختلف على نفسه، سياسيا أو طبقيا أو طائفيا أو ثقافيا، أو في أكثر من عنصر من هذه العناصر، هذا من ناحية. ومن ناحية ثانية فإن هذا الافتراض، يقدم، في مضامينه، حلا جاهزا لهذا الانقسام، لدى الشعب، من خلال إقامة شكل من أشكال الوحدة بين الفصائل، وبالمعنى المباشر، عبر التوافق بين قيادة «فتح»، تحديدا، وبين فصائل معينة! (لاسيما حماس في هذه المرحلة)، أو عبر إقامة تجمع، بديل، يتوافق عليه بعض قادة فصائل العمل الفلسطيني مع القيادة الرسمية. والمشكلة هنا، أيضا، أن هكذا خطاب يثير شبهة مفادها أن الانقسام الفلسطيني يمكن حله في حال اجتمع أمين عام أو زعيم فصيل ما، مع السيد ياسر عرفات، الذي يمتلك مفاتيح الحل والربط في الساحة الفلسطينية! أو في حال توافق بعض المعارضين مع الرئيس عرفات!. ويوحي هذا الخطاب بعدة استنتاجات وتساؤلات، منها أولا: إذا كان الأمر على هذا النحو، أي إذا كانت الوحدة الوطنية عبارة عن اتفاق قادة فصائل على قضايا معينة، فإن هذه الفصائل ذاتها، بالضرورة، هي التي تتحمل مسئولية التفكك الفلسطيني الحاصل. ثانيا: إن هذا الطرح يعكس، في الواقع، رغبة الفصائل بإبراز ذاتها وكأنها وصية على الشعب، فهي التي تقرر وحدته أو فرقته، وكأن الفرقة بينها هي فرقة للشعب الذي لا يتوحد إلا بتوحدها؟. ثالثا: تحاول بعض الفصائل، ومن خلال خطاب الوحدة، إعادة تعويم دورها المتآكل، لأسباب ذاتية أو موضوعية، في الساحة الفلسطينية، وهي في ذلك تتعامل مع هذا الموضوع بعقلية السبعينيات، سواء كانت عقلية «الكوتا» أو عقلية ما يسمى بـ «الشرعية الثورية»!. رابعا: في مطلق الأحوال فإن الشعب الفلسطيني هو آخر من يسأل عن رأيه، في هذا الموضوع أو ذاك، حيث تعتبر الفصائل ذاتها، برغم كل الاهتراء والتكلس في أوضاعها، بأنها مازالت تمتلك التوكيل الذي يخوّلها التصرف بأوضاع الشعب، وتقرير ما يريده وما لا يريده، إلى درجة تقرير ما إذا كان موحدا أو مفككا!. في الحقيقة ثمة فارق كبير بين قضية الوحدة الوطنية الفلسطينية، التي تخص مجتمعا بعينه، وبين الوحدة بين الفصائل أو الأشكال السياسية التي تنشأ في هذا المجتمع. وبشكل أكثر تحديدا، ومن جوانب متعددة، فإنه لا يمكن الحديث عن انقسام الشعب الفلسطيني، لأنه ثمة توحد، على درجة كبيرة، في جوانب الحياة النفسية والثقافية والقانونية والسياسية، للشعب الفلسطيني، في كافة أماكن تواجده، وهذه العناصر كلها تعزز من إحساسه بالمصير المشترك. وليس ثمة خلاف في العقل الجمعي الفلسطيني، على كون فلسطين وطنا تاريخيا للشعب الفلسطيني، ولا خلاف بينهم على المظالم التي وقعت عليهم، من قبل الحركة الصهيونية والقوى الاستعمارية، جراء اغتصاب وطنهم وتشريدهم وحرمانهم من هويتهم، ولا خلاف على انتمائهم إلى أمتهم العربية. والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: إذا لم يكن ثمة خلاف على هذه القضايا الأساسية فهل يمكن الحديث عن غياب الوحدة الوطنية الفلسطينية؟. في الواقع فإن الحديث عن غياب الوحدة الوطنية الفلسطينية يقصد به في هذه المرحلة، الخلاف الحاصل بين الفلسطينيين على خلفية عملية التسوية، والخلاف الحاصل بين الفصائل الفلسطينية بشأن اعتماد استراتيجية سياسية وميدانية للانتفاضة، ولاسيما ما يتعلق بالموقف من العمليات الاستشهادية التي تستهدف المدنيين داخل الخط الأخضر. وللإنصاف، فإن الخلاف حول عملية التسوية وخطاب الانتفاضة وأشكالها النضالية أحدث، ولا يزال، اضطرابا في العقل الجمعي الفلسطيني، وفي وجدان الفلسطينيين، ولكن هذا الخلاف لم يصل إلى حد تقويض وحدة الشعب الفلسطيني. ومثلا، فإذا كان اللاجئون الفلسطينيون هم الأكثر تضررا من تفاعلات عملية التسوية، لكونها همشت دورهم ومكانتهم في العمل الفلسطيني، أو لكونها هددت حقوقهم التاريخية في وطنهم وأملاكهم، فإن الوقائع تدلل ان هؤلاء اللاجئين، مع كل تخوفاتهم وحذرهم، لم يصلوا إلى حد إعلان القطيعة مع محاولات إقامة الدولة الفلسطينية، في هذه الظروف والمعطيات، هذا فضلا عن إن قطاعات واسعة منهم، ترى في ذلك حلا مفروضا، يتطلب الاستفادة منه، للتخفيف من المعاناة، التي يعيشونها، جراء غياب الوطن والهوية، طالما أنه لا توجد حلول أخرى في الأفق المنظور، أملا، ربما بخلق ظروف تسمح بتحقيق حقوقهم مستقبلا. كذلك فإن الخلاف من حول خطاب الانتفاضة ورسالتها السياسية وأشكالها النضالية لم يؤد إلى زعزعة وحدة الفلسطينيين وايمانهم بحقهم في وطنهم ولم يزعزع ايمانهم بشرعية حقهم في مقاومة الاحتلال، والخلاف هنا يتعلق بطبيعة المرحلة وموازين القوى والجدوى من هذا الشكل الكفاحي أو ذاك. على ذلك فإن الحديث عن الوحدة الوطنية يخبئ في مضامينه صراعا على التمثيل، أو بمعنى آخر صراعا على السلطة، في الساحة الفلسطينية، بسبب من افتقاد هذه الساحة لحياة سياسية حزبية حقيقية، بحكم سيادة أشكال العمل الفصائلية - العسكرية، التي تعتمد الأجهزة بدل التنظيم الشعبي، والتي تنتهج وسائل عمل سرية - فوقية، بدل أشكال العمل العلني السياسي والجماهيري، وأيضا بسبب سياسات التفريغ وسيادة العلاقات الأبوية على حساب العلاقات الديمقراطية الممأسسة. لهذه الأسباب كلها تختلط قضية الوحدة الوطنية، في الخطاب الفلسطيني، مع قضية وحدة هذه الفصائل، إذ تختزل الشعب بذاتها، وتغيب الحدود بين كونها سلطة، وبين كونها مجرد حركات أو أحزاب سياسية، تنشأ وتنمو وتتطور وتأفل، أو تجدد ذاتها. ما يمكن الوصول إليه بعد هذه الاستنتاجات، هو ضرورة التفريق بين وحدة الشعب ووحدة الفصائل، فغياب الوحدة بين هذه الأخيرة، لا يعني بالضرورة غياب الأولى، وإن كان وجود الثانية يعزز الأولى. وعليه فإنه يمكن القول ان الفصائل الفلسطينية معنية بمراجعة خطابها السياسي حول قضية الوحدة، وبلورة هذا الخطاب حتى يكون أكثر استجابة لها ولحقائق الواقع. وإذا كانت الوحدة الوطنية (المجتمعية) مكون أساسي من مكونات العملية الوطنية الفلسطينية، فإن هذا الأمر لا يتطلب بالضرورة إقامة نوع من النظام السياسي الشمولي في الساحة الفلسطينية، تتوافق فيه الفصائل (السلطات) على كل شيء أو لا شيء، فالتعددية والتنوع والديمقراطية، هي المكون الثاني الأساسي لهذه العملية، لأنها تعبير طبيعي تباين الظروف المعيشية الشعب الفلسطيني، وتعقّد قضيته، وحيوية حركته الوطنية. لقد لعبت إسرائيل كثيرا، ومازالت على وتر تقسيم الوحدة المجتمعية للفلسطينيين، وحتى أنها في عملية التسوية تواصل سياستها هذه، ولكن ليس هذا هو المهم، فالمهم أكثر هو وعي هذه السياسة وسد الثغرات التي يمكن أن تمر منها، ولا شك أن هذا الأمر يتطلب من الجميع (سلطة ومعارضة)، الكف عن الخلط بين الوحدة الوطنية للشعب وبين وحدة الفصائل، وتاليا لذلك العمل على كل ما من شأنه تصليب عود الوحدة الوطنية الفلسطينية، إن بعدم اللعب بها، أو من خلال الاعتراف بضرورة التعددية والديمقراطية ومأسسة الحياة السياسية الفلسطينية. ولا شك أن كل ذلك يتطلب توجها جادا لتعزيز وحدة الفصائل الفلسطينية في هذه المرحلة التاريخية المصيرية التي تمر بها القضية الفلسطينية والمنطقة العربية. ـ كاتب فلسطيني