الثلاثاء 26 شوال 1423 هـ الموافق 31 ديسمبر 2002 تضعنا السياسة الأميركية تجاه العراق امام حالة في السلوك الدولي هي أقرب ما تكون الى سياسة «البلطجة» منها الى أي شيء آخر. ويعد الاصرار الأميركي غير المسبوق في تاريخ العلاقات الدولية على ضرب العراق بعد أكثر من عشر سنوات من العقوبات الاقتصادية والسياسية والمنهكة ومن سنوات حصار شامل لم تشهده دولة أخرى في الخمسين عاما الأخيرة.. نقول يعد هذا الاصرار تعبيرا صارخا عن سياسة أخرى غير مبررة لـ «لي الذراع». ويمكن القول أن هذا السلوك تجسيد حي لفعل مشين غير مقبول من دولة عظمى تقول انها متحضرة وتتبوأ مكانة الزعامة في عالم اليوم خاصة اذا حاولنا اخضاع كل الظروف الموضوعية لما يمكن تسميته بالمسألة العراقية لمعايير الشرعية الدولية وقواعد العرف والقانون الدوليين وميثاق الأمم المتحدة الذي يفترض انه يحمي الشعوب الضعيفة والمغلوبة على أمرها!! وفي تقديري أن هناك جوانب عديدة في السياسة الأميركية تجاه العراق محل مناقشة تشير الى أن صانع القرار الأميركي قد وقع في سوء التقدير، وعلى سبيل المثال موضوع النفط العراقي الذي تثار حوله العديد من الآراء الجديرة بالتحليل. أميركا تبحث عن النفط أم أسلحة الدمار الشامل ويفترض بعض المحللين في أوروبا والعالم العربي وحتى في الولايات المتحدة ان ادارة الرئيس جورج دبليو بوش تستهدف من غزو العراق الوصول الى حقول النفط الموجودة فيه ومن ثم السيطرة عليها. ويرجع هذا الرأى الى ان هناك روابط شخصية ووظيفية تربط كلا من الرئيس بوش ونائبه ديك تشيني.. مع شركات النفط الأميركية خاصة شركة «هاليبورتن» للنفط العاملة في منطقة الشرق الأوسط وافريقيا والتي كأن يرأس مجلس ادارتها تشيني.. قبل تعيينه نائبا للرئيس الأميركي!! ويشكك البعض في امكانية استفادة الولايات المتحدة من البترول العراقي في حال سقوط نظام الرئيس صدام حسين. ونشير الى ما قاله «فريدي محمد» أحد كبار رجال الاقتصاد في شركة «بتروليام فاينانس» petroleum finance ونقلت عنه جريدة شيكاغو تريبون الاميركية انه «حذر من وقوع مفارقة في غاية الخطورة اذا تحركت الولايات المتحدة عسكريا ضد العراق حيث أن الأمر سوف ينتهي بها أي أميركا الى ان تصبح أكثر اعتمادا على نفط الشرق الأوسط أكثر من ذي قبل، وتؤكد الأبحاث ان سيطرة الولايات المتحدة على البترول العراقي سوف يؤدي الى الاضرار ببترول بحر الشمال وأميركا الشمالية عالي التكلفة أكثر من بترول الشرق الأوسط». والقول بأن البترول العراقي لن يفيد الاقتصاد الأميركي هو أقرب للحقيقة لأنه في ظل حكومة عراقية جديدة ستجد نفسها فيما اعتقد تفتح حقول نفطها للمنافسة الدولية الكاملة، وفي هذه الحالة قد تقبل الحكومة العراقية حتى ولو كانت «عميلة» للولايات المتحدة أفضل العروض من شركات النفط سواء كانت تلك الشركات روسية أو فرنسية أو حتى أميركية، وتفسير ذلك بأن العراق يعيش حالة اقتصادية صعبة ومن المحتمل ان يرغب العراقيون في ضخ أكبر قدر من نفطه للخروج من عثراته!! والنتيجة الطبيعية لهذا الوضع هي انخفاض أسعار نفط الشرق الأوسط بشكل ملحوظ مما سيعود بآثاره السلبية على بترول بحر الشمال وأميركا الشمالية الذي لن يجد من يشتريه، وفي هذه الحالة حتى ولو حصلت الولايات المتحدة على بترول عربي رخيص الثمن، فإنها على المدى القريب والمتوسط سوف تخسر وسيلحق الضرر حتما بالاقتصاد الأميركي، هذا ما لم يحدث توازن على نحو ما في اتجاهات العرض والطلب بسوق النفط الدولية. ومن هنا تحذر بعض الاراء من انهيار مشروعات بترولية عملاقة تقوم بالتنقيب عن النفط في البيئات الصعبة مثل بحر الشمال وألاسكا وغرب افريقيا لأن اقتصادات هذه المشروعات لن تكون في امكانها مقاومة الانخفاض الكبير في أسعار النفط اذا سارت التطورات في المسألة العراقية في نفس اتجاه ما تريده الأهداف الأميركية من هيمنة وسيطرة سياسية واقتصادية. خلاصة القول.. إذا كانت إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش قد وضعت النفط العراقي على لائحة مكاسبها في حربها المرتقبة على الشعب العراقي فإنة هذه السلعة الاستراتيجية الخطيرة ستصبح بلا شك رهانا خاسرا اذا ما أصرت الولايات المتحدة على توظيفه لخدمة أهدافها في المنطقة ووضعته في نفس المستوى الذي تتعامل من خلاله مع منطقة وسط آسيا سعيا للسيطرة على بترول بحر قزوين!! وإذا كانت هناك نزاعات دولية سببها السعي للسيطرة على منابع النفط فإن في الحالة العراقية الأمر يصبح أكثر تعقيدا، لأن هناك عوامل أخرى غير النفط تحكم مسار الأزمة الذي يتجه الى حافة الهاوية نتيجة «البلطجة» التي تمارسها الولايات المتحدة. ـ كاتب واعلامي مصري