الثلاثاء 26 شوال 1423 هـ الموافق 31 ديسمبر 2002 لعله لفت انظاركم ايها الاخوة والاخوات القراء ما لفت نظري في برامج متلاحقة لاحدى الفضائيات العربية حين دعت بعض المسلمين السنة وبعض المسلمين الشيعة لا لحوار وانما لنزال، خرج عن ادب الاختلاف ليفتح ابواب الشتم والتجريح، فكأنما العرب والمسلمون في حاجة اضافية لما يفرقهم ولما يشتت صفوفهم ولما يشمت اعداءهم فيهم وهم يعيدون قراءة تاريخ الفتنة الكبرى وما أفضت اليه من انقسامات قديمة كان اجدر بنا ان نعتبر بها لانشاء الوحدة التي هي من صميم الاسلام، بدءا من توحيد الخالق سبحانه وتعالى الى توحيد الامة الى توحيد العقيدة والمصير. فقد اختار اصحاب القناة الفضائية رجالا من سنة وشيعة غير مؤهلين للحوار بل قادمون للشجار.. اكتفوا بالانفعال ولم يكن همهم الفعلي من اجل تحقيق وفاق مطلوب، وذهب شجارهم في مهب الريح ولم يتركوا في الساحة الا طعم المرارة والفرقة. وفي فضائيات اخرى تشعبت حوارات اخرى الى التاريخ والمصير، فكان منها العقلاني الصحيح وكان منها المتاجر بالأوهام والمزايد على هموم الأمة والمضيف للاخطاء أخطاء جديدة. واننا نظل معتقدين بأن المسلمين يحتاجون اليوم الى من يجدد دينهم كما وعد الرسول الكريم «صلى الله عليه وسلم» حين قال بأن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مئة سنة من يجدد لها دينها. فاستعمل المصطفى الأمين «صلى الله عليه وسلم» مصطلح التجديد لا مصطلح الصحوة ولا مصطلح التطوير. ونحن نرى انه قد مضت مئة سنة على حركة الاصلاحيين امثال الشيوخ جمال الدين الافغاني ومحمد عبده وعبدالرحمن الكواكبي والوزير خير الدين باشا وغير هؤلاء، ولعله حان الوقت لاعادة تقييم تجارب التجديد وقراءة الواقع الاسلامي الراهن على ضوء هذه الزلازل الكبرى والاهوال الخطيرة التي تهز العالم هزا عنيفا، فتتصدع معها الافكار المسبقة والاحكام الجاهزة والرؤى الجامدة. وان اول مظاهر التجديد في عصرنا الموسوم بعصر ثورة المعلومات وسرعة انتقال الناس والافكار والسلع والانماط، هو مظهر الاقرار بتعددية العالم من حولنا والتي هي ثراء للانسانية وتحقيق لارادة الله في سن مبدأ الشعوب والقبائل التي خلقت لتتعارف حسب الآية رقم 13 من سورة الحجرات. فاستعمل القرآن المجيد عبارة التعارف وهي من المعرفة التي يتسم بها عصرنا، أليس هو عصر المعرفة.. سريعة النشأة وسريعة الانتشار وسريعة التوظيف من خلال وسائل الاتصال المعولمة والمدمجة والمتاحة لكل تلك الشعوب والقبائل بلا حدود؟ واذكر انني كلما تحدثت لبعض طلابي وطالباتي بالجامعة عن ضرورة التجديد الديني أجابوني بأن الاقتصاد والسياسة والمال والمصالح هي الاجدر بالتجديد. وهم يعيشون مثلي تحت وطأة احداث الحادي عشر من سبتمبر، وعلى وقع قرع طبول الحرب الأميركية ضد العراق، وعلى أزيز رصاص الدبابات والطائرات على رؤوس شعب فلسطين.. ولكني اشرح لهذا الشباب المهموم مثلي بأن منطلقات كل امة من امم الدنيا هي أساسا منطلقات دينية، فدين الامة هو الذي يحدد لاجيال الامة حتى قبل ولادتها مفاهيم الحق والباطل والحلال والحرام والمسموح والممنوع، وهو كذلك الذي يشكل روح الامة بالعزيمة ويشحنها بالارادة. وديننا الاسلامي الحنيف اعطانا نصا مقدسا جمع هذه المنظومة من القيم والمبادئ والمثل، كما اعطانا من خلال سنة النبي الهادي عليه الصلاة والسلام واجماع العلماء فقه المقاصد والأولويات حتى نتدبر ونعمل العقل. ولعل اول تدبر تقتضيه هذه الساعات الحرجة المتأزمة من عصرنا هو التدبر في علاقاتنا مع الامم الاخرى وهو ما نسميه في علم السياسة بالعلاقات الدولية، فقد دأب بعض الغلاة على التعميم وهو خطأ وضلال، ففي المجتمع الاميركي على سبيل المثال أروقة للرأي والتأثير يمكن بل يجب استقطابها لصالح حقوقنا، وهي مهيأة لانصافنا لأسباب يطول شرحها وقد استعصت على تلاعب اعدائنا بعقولها واصبحت تناصر قضايانا في فلسطين وضد العدوان الصهيوني.. لكننا عوض ان نتحرك نحوها ونعطيها المعلومة الصحيحة والصورة السليمة، تركنا مجموعة من الشباب المغرر بهم تعاملهم جميعا معاملة واحدة لا فرق بين صديق وعدو. ونشأ ارهاب فوضوي مرفوض يضرب الجميع بدون تمييز، فحدث انقلاب ضدنا في الرأي العام المحايد وغير المنحاز وخسرنا تلك الجماعات التي تفهمت حقوقنا ووقفت الى جانبه وكسب اعداؤنا جولات اعلامية ومعلوماتية كثيرة. وهذا ما قصدناه حين نادينا ـ ولا نزال ننادي ـ بتجديد الدين على أساس قبول الاخر المختلف ومحاولة اقناعه بالحجة وبالاعلام بأننا اصحاب حق. فالمعركة الاعلامية هي المعركة التي نخوضها بالبرهان والصورة والكشف والبيان على ساحة الرأي العام المختلف في أميركا وروسيا والاتحاد الاوروبي والصين واليابان.. عوض الرفض الاعمى للاخر دون وعي.. وهي حلول يائسة او انهزامية ليس وراءها الا الخسران. ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر alqadidi@hotmail.com