الثلاثاء 26 شوال 1423 هـ الموافق 31 ديسمبر 2002 يستقبل العالم اليوم عاما ميلاديا جديدا، وعادة ما يقف الناس في مثل هذه المناسبات مُقيمين أحداث عام مضى، يفحصون فيه الصالح و الطالح من الأحداث التي مرت، وينظرون إلى عام جديد يتمنون فيه الاماني الخيرة لأنفسهم وشعوبهم. فان نظرنا إلى عالمنا العربي، و البيت الخليجي جزء منه، في ما مر به العام الذي مضى نحاول سبر غوره، ونستخلص معاني من أحداثه، واستطردنا للنظر في توقعنا لعام جديد يكاد يطل، فماذا نرى؟ في قراءة الأحداث التي أصبحت وراءنا، ومد النظر لاستلهام توقعات تكاد تكون مكتوبة على الجدران من أمامنا، نجد أنها كثيرة غابرة وآتية، وجميعها عاتية صاخبة. سنة مضت حافلة بالأزمات، وسنة متوقع أحداثها أن تكون مترعة باحتمالات سلبية تصبح بجانبها الازمات السابقة هي من جملة الخفيف المعتدل، وليس في الأمر تنجيم أو ضرب في الغيب، بل هي سلسلة تداعيات تمثل بعضها منذ فترة ومازال الباقي يتمثل أمامنا. وهن الامة إذا كان علي أن اختار فقد شهد العام الماضي مؤتمر القمة الدورية العربية الأولى، ولم يتم في هذه القمة حل أي من الإشكالات العربية القائمة و المعروضة عليه، فقد قاطعه عدد من الرؤساء لأسباب مختلفة، كان على رأسها السبب الأمني، كما صدرت قراراته كالعادة لتصبح حبرا على ورق، بعد أن كاد المؤتمر يفشل لتعثر التوافق بين أعضائه و شدة الخلاف و الصراع بين من حضر، ما أنقذه في اللحظة الأخيرة أن الجميع يريدون الخروج بشيء من التوافق المظهري، يعلمنا التاريخ وقوانين الطبيعة انه إذا فشل احد في سد الفراغ فسوف يسد هذا الفراغ احد آخر، وفي السياسة، إذا فشل العرب في حل مشكلاتهم سيحلها لهم آخرون. سنة ماضية أصبح فيها قتل الفلسطينيين جماعات ووحدانا أمرا يوميا لا يثير أية ردة فعل لا عربية و لا دولية، وأصبح قتل الفلسطيني وتناثر أشلائه، مثل نحيب الثكالى من الأمهات، يتفرج عليه العالم في التلفاز كما يتفرج الإنسان على فيلم سينمائي يعرف أن أحداثه غير واقعية، وأصبح الفلسطينيون يقتلون بآلة جبارة من التحدي الأيديولوجي و العسكرية القاهرة، وكأن الأمر لابد أن يقع، بل وأصبحت التوقعات كم من الفلسطينيين سوف يقتلون هذا اليوم، وأصبحوا بمثل الحيوانات الضارية التي يتفرج عليها الناس وهي تقتل بدم بارد في الغابة وكأنها (خدمة إنسانية)، وكأن ذلك هو المفروض أن يتم، وربما شهدت هذه السنة المنصرمة اكبر عدد من القتلى الفلسطينيين، واقل عدد من الاحتجاجات، بسبب ذلك الوهن السياسي العظيم الذي اقعد الأمة واخرس ألسنتها، وأضاع عليها الفرص. سقوط طالبان وصعود أردوغان، في كل من أفغانستان و تركيا المسلمتين، شكلت قضية معقدة للعرب في العام المنصرم، وهم مسلمون، في الوقت الذي لم يظهر الإمام ملا عمر في صورة ضوئية قط، نتيجة ما يعتقده من أن الصور (حرام)، تقول الصحافة الغربية عن طيب أردوغان، زعيم (العدالة و التنمية) انه يشبه في صورته معبود الفتيات على الشاشة الفضية في القرن الماضي (كلارك جيبل) وفي خطبه يشبه إقناعه، إقناع ونستون تشرشل الزعيم البريطاني الأشهر و المفوه، ولكن الاختلاف بين البلدين كثير كما هو التشابه، فتركيا التي هلل البعض لوصول حزب العدالة و التنمية إلى الحكم فيها، على انه طريق (إسلامي) جديد، تعاني وضعا اقتصاديا يشابه في بعض صوره الوضع في أفغانستان، فهناك مدن في تركيا توزع فيها الوجبات للمعدمين مجانا وعلى نطاق واسع، فالاقتصاد التركي الذى عانى أزمات في الخمسة عقود الأخيرة، وكان أكثرها شدة وضنكا في العقد الماضي، يحتاج إلى دفعة اقتصادية، أكثر مما يحتاج إلى خطيب مفوه، حتى لو كان يشبه المرحوم كلارك جيبل!، ولعل اختيار اسم (العدالة و التنمية) كشعار للحزب هو أفضل تعبير لما تحتاجه تركيا، وغيرها من دول الشرق، قبل احتياجها للشعارات، شيء من (العدالة) وكثير من (التنمية) يحققان المراد. الاثنان أفغانستان وتركيا في شكل ما يواجهان الصعوبات نفسها التي لا تحلها الشعارات، صعوبات التعليم و العمل و الإنتاج التي من دونها تصبح الدولة فقيرة، و الشعب مقموع. مقدمات.. ونتائج في الأيام الأخيرة من السنة التي انقضت شهد اجتماع قمة مجلس التعاون لدول الخليج العربية في دولة قطر وهي الأقل حضورا على مستوى القمة من سنوات سابقة، و تشابه في شكلها الخارجي ما وصلت إليه اجتماعات القمم العربية، وأصبح المجلس الذي اخذ وقتا طويلا للتطور، ووضعت عليه آمال كبار، يبدأ في مرحلة التراجع، فتصبح اجتماعاته شكلية، و نتائجه تستجيب للسريع و العاجل من الأمور من دون النظر إلى التحديات الحقيقية التي يواجهها الجميع، في منطقة تموج بالمتغيرات الكبيرة. من جهة أخرى نشط المثقفون العرب في السنة الماضية في (توقيع البيانات) فبعد أن وقع عدد من المثقفين الغربيين بيانات حول الدائر من الأمور فيما بعد الحادي عشر من سبتمبر، تبع المثقفون العرب، كمثل عادتهم، ما يحدث هناك، فأصبح لدينا عدد من البيانات الموقعة وهي بيانات وعرائض تكتفي بلوم الآخر و البحث عن مثالبه من دون الانكباب كما ينبغي على فهم المشكلات التي تواجه العرب، و القيام بتحليلها وتعبئة الجمهور العام للتصدي لها، فقط شجب ما يقوله الآخر، والتعريض به، ونسي البعض أن الفارق بين ثقافة تتبع القول بالعمل، فتحول البيانات إلى مؤسسات، وثقافة تستعيض عن العمل بالقول، وتعتبر القول إنجازا بحد ذاته، لا يؤدي الغرض و لا يجلب نتيجة. لقد شهد العام الماضي معينا لا ينضب من الأزمات العربية و الإسلامية، لكنها كانت في معظمها مقدمات لما سيشهد العام الذي يَهل، فها هي الولايات المتحدة تحضر لحرب أخرى، ولكن المتخوف من أن الولايات المتحدة بكل ما تملك من قوة في مجالات كثيرة تجهل تضاريس المنطقة العربية، وهنا يكمن الخطر، فهذه الدولة الكبيرة، قد فرضت عليها الجغرافيا الكثير من المحددات، و النكتة المرددة بأن رونالد ريغان الرئيس الأسبق قد قال للصحافيين بعد زيارته لأمريكا اللاتينية، تصوروا أن أمريكا اللاتينية مكونة من عدة دول! كان يعتقد أنها دولة واحدة، هذا الرأي يعطي تصورا واضحا أن الكثير هناك منقطعون عن العالم حكاما ومحكومين، إلى درجة أن الإحصائيات تقول لنا انه فقط 12% من كل مواطني أمريكا يحملون جوازات سفر. الجغرافيا سبب، و لكن السبب الآخر هو أن أميركا قارة تستغني بما لديها عن العالم، فهي ليست في حاجة لمعرفته، أو قل اغلب مواطنيها ليسوا معنيين بمعرفة من منهم خارج الحدود، للنخبة الأمريكية سقوط حائط برلين سنة 1989، و القفزة الاقتصادية في التسعينيات، يعني أن نظرتهم إلى العالم وما يعتقدوه هو الأفضل و الأصلح للآخرين. عام النذر! وأمام صدمة 11 سبتمبر التي قتلت على الأرض الأمريكية اكبر عدد من الأميركان في يوم واحد منذ الحرب الأهلية في القرن التاسع عشر، عدا تحطيم رموز عزيزة للمواطن الأميركي، فقد جعل هذا التجمع الصناعي و السياسي الضخم، ينظر حوله فيجد المسلمين و العرب، يضعهم في بوتقة واحدة، ويفكر نيابة عنهم. المشكلة التي نواجهها أن العالم الثالث، منهم العرب، يعرفون كل شيء تقريبا عن أميركا الملابس والسينما و الموسيقى وحتى المأكولات الأمريكية التي تنتشر مطاعمها في معظم بقاع العالم معروفة بالتفصيل، ولكن في المقابل قلة من الناس في الولايات المتحدة التي تعرف على وجه اليقين ما هي مشكلات العالم الثالث و الوسائل الممكنة لحلها. لذا فان الحرب القادمة التي يبدو ألا احد يستطيع أن يوقفها، سوف تصل نتائجها إلى منطقة بأسرها، منطقة قضت في الخمسة عقود الأخيرة كل الوقت تخرج من أزمة لتدخل أزمة اعقد منها، والحرب القادمة سوف تخلف الكثير من النتائج، بعضها سلبي، تعجز الإدارة الأمريكية، بكل ما أوتيت عن حساب نتائجها الكلية، ونعجز نحن عن (التفكير) فيها. لا يحمل العام المقبل سياسيا على الأقل إلا كل النذر، وهو على وجه اليقين سيكون عاما حافلا بالأحداث الجسام، أكثر من سابقه الذي نودع. ـ كاتب كويتي