الثلاثاء 26 شوال 1423 هـ الموافق 31 ديسمبر 2002 ترى كم عدد من ألقوا الراية، ورفعوا ايديهم مستسلمين امام ضغط الواقع الذي طالبهم بشيء من التنازل عن جزء من رصيدهم الاخلاقي، حين ارادوا تحقيق النجاح، والفوز ببعض الثمار القريبة التي لا يكلف الحصول عليها الاّ ان يغض الفرد الطرف عن العيوب والتجاوزات ويضع على عينيه عصابة، ويسد اذنيه فلا يرى ولا يسمع ما يستدعي النقد ويدعو الى المطالبة بالتغيير؟! والمؤسف ان من أخطر الآفات الاجتماعية التي تواجهنا اليوم استعداد البعض منا للتصالح مع الواقع كيفما كانت صورته وحقيقته، ودفع الضريبة المناسبة لتحقيق ذلك الصلح دون ابطاء أو مراجعة خاصة وان ذلك البعض آمن بأنه لن يستطيع صوت واحد أو أكثر ان يغير واقعا سلبيا مضى عليه زمن طويل. لذلك، فان المكابرة في تأجيل الاستسلام والإذعان للنظام المعمول به دون قيد أو شرط ليس إلا نوعاً من القياس الفاشل والرهان الخاسر، وارهاق النفس دونما سبب وجيه يدعو لأن يكلف المرء نفسه ما لا يطيق خاصة وان الفجوة بين الواقع والمثال في كثير من المرافق الحيوية في المجتمعات العربية والمسلمة تتسع يوماً بعد يوم. فالشفافية غائبة، والنظم واللوائح تخترق يوميا آلاف المرات، مما ادى الى انخفاض التوقعات حول امكانية التطوير وتحقيق نقلة نوعية في الاداء الوظيفي العام. والثابت ان الترويج لنظرية الانسحاب السريع أمام الواقع غير المرضي واللجوء الى المجاملة كآلية دفاعية فعالة لنيل رضى الرؤساء واعجابهم دون الحاجة الى التحقق من كفاءتهم وفاعليتهم اصبح اسلوباً عصرياً يخدم اغراض النفعيين والماديين خاصة ان مروجي هذه النظرية ليسوا افراداً قليلي العدد في مجتمعاتنا اليوم بل انهم اصبحوا يشكلون قوة ضغط اجتماعية لافتة للنظر وقادرة بما اوتيت من قدرة على الترويج لأفكارها الانتهازية على إقناع البسطاء بان الامل في تغيير الواقع ضئيل للغاية، وإن حدث فبصورة محدودة واستثنائية مما يجعل من الاهمال والتسيب والفوضى والمجاملات واقامة العلاقات الخاصة خيارات مناسبة ومجدية بل ومشروعة. وبمثل هذه الافكار السلبية تتلوث البيئة النفسية والذهنية لمن لديهم قابلية تصديق تلك الافكار، ويصبح من السهل بعد ذلك ان تروض بيئة العمل لتتناسب مع هذا النوع من القناعات الخاطئة، مما يرشح تلك الأوضاع لتكون هدفاً رئيسياً للدماء الجديدة المقتنعة بجدوى المقاومة والسباحة ضد التيار. ولا ادق على وصف تلك الروح الضعيفة المنهزمة امام التحديات من وصف مالك بن نبي رحمه الله لهذه الحال المحزنة حين قال: «اننا امة نستسهل السهل، ونستصعب الصعب». وعنى بذلك ان الشيء السهل والبسيط تراه الجموع الغفيرة بأنه اقل من أن يؤبه له، أو يعتنى به، لذلك فان اداءه لا يتطلب الا القليل من الجهد، مما خلق حالة من الاستخفاف بالمسئوليات، وعدم توجيه العناية الكافية لانجاز الواجبات على الصورة اللائقة. اما الصعب فتراه تلك الجموع صعبا، وتحكم عليه بأنه شيء غير قابل للتحقق، وان انجازه يتطلب الكثير من الجهد والكثير من العناء. ولأجل ذلك تبتعد عنه وتقرر سلفاً ان لا تجري مع ذلك التحدي اي نوع من المحاولة او التجربة لاجتيازه والتفوق عليه. وهو اختيار يدل على انطفاء الحماس، وقلة الفاعلية، ويجعل من تلك الجموع كماً مهملاً لا وزن له ولا أثر!! وبين استسهال السهل والاستخفاف به والحكم على الصعب بأنه باهظ التكاليف، ضاعت حقوق، وعطلت واجبات، وانخفض الاحساس بالرغبة في الاتقان، وشاعت ثقافة ليس بالامكان ابدع مما كان. ومجموع ذلك ومحصلته النهائية انتشار تلك الامراض الاجتماعية وانتقالها الى البسطاء من الناس. والواجب يقتضي منا ان نتمرد على هذا الواقع، وان ننحاز بكل قوانا للفاعلية والاداء الجاد هذا اذا ما كنا راغبين في السير خطوة واحدة الى الأمام.