الثلاثاء 26 شوال 1423 هـ الموافق 31 ديسمبر 2002 تظل أعمارنا مهما امتدت مجرد رحلة عابرة أو هي بلغة العصر «ترانزيت» لتعبر بنا الى عالم الديمومة والخلود. ويعز على الانسان ان يودع عابرا وراء آخر سواء كان قريبا او صديقا او زميلا. فمنذ اسبوع رحلت عابرة من زميلات العمر امتدت زمالتها وصداقتها عقودا من السنين وهي الفنانة الكبيرة سناء جميل التي غيبها الموت عنا بعد معاناة مضنية مع المرض. وسناء صعيدية من اعماق صعيد مصر، اذ شهدت مدينة ملوى بمحافظة المنيا مولدها في يوم 27 ابريل عام 1930، ورغم صعيديتها ظلت لغتها منذ صغرها مشوبة بلكنة اجنبية بسبب دراستها الاجنبية، ولعلي أذكر ان اجادتها للغة الفرنسية كانت تفوق قدراتها في اللغة العربية، ومع ذلك فقد كافحت لاجادتها منذ التحاقها بالمعهد العالي للفنون المسرحية بالقاهرة وحتى بعد تخرجها منه في عام 1953، وتوجت كفاحها بإجادة اللغة العربية، وقد سعدت بعملها معي في أعمال كثيرة توليت اخراجها في اذاعة صوت العرب منذ منتصف الخمسينيات وما بعدها، اذ كانت تلك الاذاعة في تلك الفترة ثم في الستينيات وحتى وفاة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر خلية نحل لا تهدأ، وكان جانب كبير من برامجها وتمثيلياتها يدور باللغة العربية نظرا لتوجهها الى الوطن العربي الى جانب العامية المصرية وغيرها. وقد توجت أعمال سناء الدرامية في صوت العرب ببطولة مسلسل هام عن رواية «سارة» للاديب عباس محمود العقاد امام الفنان القدير محمود مرسي. ولقد كنت منذ زمن افكر في اخراج تلك الرواية فطلبت من الأديب عبدالرحمن فهمي ان يقوم بإعدادها في مسلسل اذاعي، وكان ذلك في عام 1968، ولم أجد أنسب من سناء جميل لكي تقوم بعبء دور البطولة الذي يمثل الشخصية الرئيسية «سارة». وقد أضفت عليه الفنانة طابع الرومانسية والرقة. وكنت قد ادركت اثناء عرضي للدور عليها وشرح ابعاده لها قدر عشقها لتلك الشخصية وحماسها لتمثيل دورها، ولعلها صادفت هوى في نفسها بما كانت تتمتع به هي ذاتها من رومانسية ورقة وميل غريب الى الحزن احيانا. كان يمكن ان تقنع الفنانة الكبيرة بأداء بعض الأدوار المسطحة مثل أدوار الفتاة الارستقراطية التي تجيد الرطانة بالفرنسية او الفتاة المتمصرة التي تتحدث العربية بصعوبة، ولكن سناء جميل لم تتوقف عند هذا الحد، بل انها ـ رغم دراستها في مدارس الميردي ديو وحياتها في الصغر في القسم الداخلي بتلك المدارس ـ تمكنت بعبقريتها الفنية من اداء أدوار هامة على خشبة المسرح بعد تخرجها مثل أدوارها في مسرحيات عربية وعالمية من بينها: شمس النهار لتوفيق الحكيم، ومسرحية الحصان، وزيارة السيدة العجوز، وزهرة الصبار، والدخان، وشهرزاد، والناس اللي فوق، ولم يقتصر عطاؤها الكبير على المسرح وحده، بل تجاوزه الى السينما والتلفزيون في أدوار متنوعة مثل شخصية «نفيسة» البنت المصرية الفقيرة في فيلم «بداية ونهاية» عن رواية نجيب محفوظ، وشخصية الفلاحة في فيلم الزوجة الثانية لاحمد رشدي صالح، ولا ينسى احد بالطبع دور المرأة الصعيدية في كل من مسلسل «خالتي صفية والدير» للاديب الكبير بهاء طاهر، ومسلسل البر الغربي، وتقفز سناء الى دور عبقري في مسلسل الراية البيضاء للسيناريست المعروف اسامة انور عكاشة، وهو دور «المعلمة فضة»، ثم دورها الاخير في فيلم «اضحك الصورة تطلع حلوة» وهو دور الام المصرية البسيطة الطيبة واللماحة الذكية. رحم الله هذه الفنانة العظيمة التي قدمت اعمالا رائعة سوف يسجلها التراث الفني المتميز لمصر المحروسة والولاّدة في كل مجالات الحياة