الثلاثاء 26 شوال 1423 هـ الموافق 31 ديسمبر 2002 يحكى ان قوماً عاشوا عاماً كاملاً في بؤس وقمع وضنك وفقر وعذاب لا يمكن وصفه.. عندما انتهى العام، ذهبوا الى كبيرهم ليشكوا له سوء الحال.. تكلم الكبير كثيراً عن الصبر والاحتمال والتضحية وشد الأحزمة على البطون وتحمّل الامتهان من أجل المستقبل. لكنه في النهاية وعد قومه بغد أفضل، قائلاً لهم: ان العام المقبل سيكون تعويضاً لهم عما لاقوه في العام الماضي. جاء العام التالي بحال أكثر بؤساً وعذاباً لدرجة ان القوم عاشوا فيه على «الذكريات الطيبة» في العام الماضي!! تكرر الأمر نفسه، ذهبوا الى الكبير، وعدهم خيراً قائلاً الكلمات نفسها عن التحمّل والصبر والمستقبل الأفضل، انصرف الناس لأنهم لا يملكون أن يفعلوا سوى السمع والطاعة والانصراف.. وجاء العام الجديد والحال أكثر قتامة مما سبق. وهكذا ظل الأمر يتكرر على المنوال نفسه، إلى ان يئس القوم تماماً، كما ان الكبير أصيب بالكدر و«القرف» من الحاح قومه وعدم قدرتهم على الصبر، فأمر حراسه بعدم السماح لهم بمقابلته، خاصة انه اكتشف ايضاً انه لا يملك لهم حلاً، لأنه على مدى السنين الماضية أوكل أمر نفسه وقومه لكبير آخر خارج حدود مكانه، فتوقف تفكيره ولم يعد يملك القدرة على تصريف الأمور. لكنه حاول اقناع بعض قومه بأنه معتكف في خلوته بحثاً عن حل لهذه المشكلة المستعصية. تدهورت الأحوال وانتشرت الأوبئة والأمراض الفتاكة، لكن ما أدهش الكبير ان الحيوانات بدأت في الاحتجاج وهامت على وجوهها بحثاً عما يبقيها على قيد الحياة، بل انها تجرأت على دخول بيت الكبير المترامي الأطراف، وعندما حاول حراس الكبير منعها حاولت هذه الحيوانات افتراسهم، لأن المجاعة حولتها من حيوانات أليفة إلى كائنات متوحشة. استخدم الحراس كل ما لديهم من أسلحة واستطاعوا بعد جهد جهيد اخماد ثورة الحيوانات. لكن الأمور تعقدت أكثر حينما بدأت الأقوام المجاورة في دخول المكان بالمكر والخداع والحيلة، وشيئاً فشيئاً كثر الأغراب واستطاعوا نهب كل ما تبقى، ثم استداروا على بيت الكبير لينهبوه قطعة قطعة بعد ان أقنعوه انهم يقومون بحمايته من شعبه الجائع وحيواناته التي صارت مفترسة ومتوحشة. خرج الأغراب من المكان بعد أن حولوه الى أرض خراب، لكن المفاجأة ان أغراباً آخرين بدأوا في الاغارة على المكان مرة أخرى، يريدون الأرض نفسها وامتلاك ما تبقى من البشر خدماً لهم، حاول الكبير اقناعهم بالتوقف، لكن الوقت كان قد فات، لم يعد أمام الكبير سوى ان يطلب ممن تبقى من شعبه مقاومة الأغراب، وحدثهم عن الأرض والعرض والشرف والكرامة والمستقبل الزاهر الذي ينتظرهم في الغد القريب... بينما الكبير يخطب في بقية قومه وسط حراسه، هجم الأغراب مرة أخرى، فكان الضحية الأولى للهجوم هو الكبير نفسه وبقية حراسه، وهنا بدأ الناس في المقاومة، لعل وعسى يتمكنون من رد العدوان، أملاً في عام جديد يشعرون فيه ببعض الكرامة! ـ ملحوظة: هذه حكاية أسطورية، وأي تشابه بين تفاصيلها، وحياة أمم أخرى تعيش في الواقع الراهن هي من قبيل الصدفة أو العمل غير المقصود.. لذا لزم التنويه، وكل عام وأنتم بخير.