الاثنين 25 شوال 1423 هـ الموافق 30 ديسمبر 2002 في أوائل الثمانينيات (من القرن الماضي) حصل على جائزة نوبل للآداب غابرييل غارسيا ماركيز (كولومبيا) بوصفه أكبر روائي في آداب أميركا اللاتينية. في أواخر العقد نفسه ـ الثمانينيات ـ حصل على الجائزة الرفيعة نفسها نجيب عبدالعزيز محفوظ (مصر) بوصفه أكبر مبدع لفن الرواية في آداب العربية في الزمن المعاصر. بين الكاتبين الكبيرين ثمة وشائج من التقارب، بقدر ما أن هناك أوجها شتى من التباين والاختلاف.. ما زال محفوظ ـ أمد الله في عمره ورغم قصور السمع وفتور البصر ـ يتواصل مع الناس.. التلاميذ والمريدين الأصدقاء والمحبين.. صحيح أنه بات محروما لأسباب شتى من متعته اليومية التي كان قد درج عليها سنوات طويلة.. وهي متعة بريئة وبسيطة ولا تكاد تكلف شيئا سوى أن يخرج العم نجيب من بيته المتواضع في شارع النيل ـ حي العجوزة ـ ثم يسعى على قدميه على كورنيش النهر الخالد في طريقه الى مكتبه الذي كان في جريدة «الأهرام» وكان يزيد من متعته أن يلقى الناس على جنبات الطريق.. ومنهم من يتعرف عليه فإذا بهم يقرئونه السلام من بعيد لبعيد.. محبة وحدبا واجلالا.. مع هذا كله فلا يزال للاستاذ نجيب حضوره ولا تزال له آراؤه منشورة ومسموعة.. قد تختلف معها وقد تتفق.. لكنك لا تملك معها سوى احترام اجتهاد الشيخ الجليل الذي ما برح يهتم بالشأن العام ويتابع قضايا الوطن وهموم الأمة ما استطاع الى ذلك سبيلا.. على العكس من ذلك عاش نظيره المبدع الكولومبي ماركيز (أو ماركويز) إذ ظل السؤال يتردد طيلة السنوات الثلاث الأخيرة: ـ أين السنيور غارسيا؟ كان الرجل قد اختفى عن الأنظار منذ عام 1999 وعلى الفور تناثرت الاجابات بل وتضاربت الأمور في بورصة الشائعات.. قال البعض: لعل السنيور آثر أن يخلد الى حياة من هدوء الدعة بعيدا عن الصخب والعبث وتلك عادة يظل الناس يعهدونها عند حقب شتى من الزمان في سلوك العديد من الأدباء الكبار والمبدعين العظام.. ألم يكن أرنست همنغواي يطير الى غابات أفريقيا وكأنه يأنس الى جوار الوحوش والأوابد في الأدغال؟.. ألم يترك اللورد بايرون قصوره المنيفة في انجلترا ويهاجر الى بلاد اليونان وفيها وافته المنية ولم يجاوز الخامسة والثلاثين.. وكذلك فعل ـ الى اليونان أيضا رفيقاه في حركة الشعر الرومانسي في أدب الانجليز ـ وكان أولهما جون كيتس والثاني برسي شيللي وكلاهما انصهر عوده وفارق الحياة قبل أن يشارف الثلاثين؟ ـ أين إذن راح غارسيا ماركيز؟ هل اختار حياة العزلة تأسيا ببطل روايته الشهيرة «مائة عام من العزلة»؟ أم أنه بدأ يشعر بجفاف في ينابيع الالهام فكان أن انزوى في مكمن اختاره ربما ليجدد أو يتأمل، أو أنه بعد تكريم نوبل وبعد ذيوع الشهرة المستطيرة في أرجاء الدنيا الأربعة آثر أن يستمتع بحياة من الترف والأبهة.. وهذا من حقه كإنسان بطبيعة الحال؟ والحقيقة أن الذين عرفوا المبدع الكولومبي الكبير لا يعرفون عنه حكاية الدعة أو الترف.. بل يعرفون أنه يأخذ فنه وابداعه الروائي على أكبر محمل من الجدية والاتقان والاجتهاد لا يكاد يماثله في عصرنا وعصره سوى مبدعنا الكبير نجيب محفوظ. كم عرفنا أن العم نجيب تعود على أن يستيقظ مبكرا ويضع ساعته العتيقة على سطح المكتب ثم يتناول قلمه ليراجع آخر صفحة وآخر سطور كان قد خطها قبيل أن يخلد الى نومه بالأمس.. سطور قد تكون من قصر الشوق أو السمان والخريف أو أولاد حارتنا أو الحب تحت المطر.. أو.. أو.. الى آخر الثمار الطيبات التي أضاء بها حياة أجيال من قارئي العربية وأضاف لها لمسات الجمال المبدع الى وجدان الملايين الذين قرأوا سطورها أو استمتعوا بها وقد تحولت الى صور على الشاشات الصغيرة أو الكبيرة أو ترجمت الى مسامع شدت أفئدة الجماهير على أثير الاذاعات الناطقة بلغة الضاد الجميلة الشريفة.. بعدها يتوكل نجيب محفوظ على الله ويبدأ في كتابة السطور الجديدة من الرواية كأنما كانت تملي عليه و.. سبحان الله العاطي الوهاب.. وإن هي إلا ساعة أو ساعتين يقوم بعدهما الروائي الكبير ليرتدي ملابسه ويتوجه الى وظيفته الحكومية التي كان يؤديها في اجتهاد موظف حكومي يعرف للميري حقه ويفصل بين المستوظف والفنان.. هنا يتقارب الرجلان الكبيران.. محفوظ وماركيز.. فالروائي اللاتيني ينهض مبكرا في ساعات الصباح الأولى.. ويتعامل مع ابداعه القصصي بشكل شديد الانضباط كما تقول الناقدة «جوان فوريرو» حيث يجلس الى طاولته الأثيرة العتيقة وأمامه جهاز الحاسوب ـ الكمبيوتر ـ ماركة ماكنتوش وبعدها ـ تضيف الاستاذة الأميركية ـ تتدفق من رأسه كلمات سحرية وعبارات مفعمة بالشعر بالأسبانية طبعا هي تلك التي رسمت الاطار أمام أعين العالم عن الحياة في أميركا اللاتينية.. مرة أخرى يلح السؤال. ماذا عن السنوات الثلاث السابقة التي اختفى فيها ماركيز عن الأنظار؟ ـ لقد بدأت هذه الغيبة منذ عام 1999 على وجه التحديد. ـ لماذا؟ لأنه كان العام الأصعب في حياة غابرييل غارسيا ماركيز.. العام الذي صارحه فيه أطباؤه بأنه للأسف مصاب بسرطان الغدد الليمفاوية.. يومها تلقى الرجل الخبر الصاعق في هدوء شبه فلسفي أو فلنقل شبه صوفي.. وعرف أنه سوف يخضع للعلاج الكيماوي.. لكنه أزمع في نفسه أمرا ما لبث أن وضعه لفوره موضع التنفيذ.. قال ماركيز: ـ قررت أن أبعد عن الناس.. وعمدت الى تخفيض كل علاقاتي واتصالاتي الى أدنى حد ممكن حتى من أقرب المقربين.. قطعت أسلاك الهاتف.. ألغيت كل رحلاتي التي كان يضمها جدول سفريات حافل وشطبت كل خطط للتحرك وكل ترتيبات كانت متخذة للحاضر وللمستقبل. هذه التصريحات هي أول ما صدر عن الأديب ماركيز بعد سنوات العزلة الثلاث 1999 ـ 2002 وقد نشرتها مؤخرا صحيفة «التيمبو» الناطقة بالاسبانية وختمها ماركيز بتصريح ربما يكون الأهم بالنسبة له كروائي وبالنسبة لعشاق ابداعه كقارئين.. أضاف يقول: ـ منذ تلك الفترة.. أغلقت الباب على نفسي بل حبست نفسي لكي أكتب كل يوم بغير أن يقاطعني أحد.. والحق نقول أنها لم تكن حرفيا ثلاث سنوات من العزلة بمعنى التفرد والوحشة والنأي الكامل عن الناس (رغم أن فعلها مثقف بل عبقري عربي اسمه جمال حمدان) ولكنها كانت سنوات من الاحتشاد والتهيؤ لمخاض فني استخدم فيه ماركيز (75 سنة) مساعدين له لانجاز عمليات بحث ودراسة واستقصاءات تاريخية وتوثيقية وظل يجمع في هدوء وأناة وصبر طويل وجميل بين مداومة العلاج في أحد مستشفيات لوس انجلوس في غرب أميركا وبين مداومة الكتابة اليومية كما ألمحنا، الى أن عاد ليقضي فترة النقاهة والاستجمام في بيته الأنيق في مكسيكو سيتي.. ثمرة هذا كله توشك أن تنضج وأن يحين قطافها.. وهي السيرة الذاتية والفنية لقصة حياة غابرييل غارسيا ماركيز نفسه وقد نوى أن يصدرها في عدة مجلدات.. تتهيأ الأوساط الأدبية الآن لاستقباله وسيحمل عنوانا ذاتي الدلالة هو بالأسبانية: ـ فيفير بارا كونترار لا ومعناها: ـ أن نعيش لكي نحكي. ولعلك تعلم أننا ـ الفقير كاتب السطور ـ يعرف الأسبانية ومع ذلك فنحن نقرأها في تعثر لا يخفى وعلى استحياء شديد.. ربما من قلة البضاعة وربما من قلة الاستخدام وربما من العاملين معا في آن وها نحن نحتشد أو نحاول أن نفعل ذلك لكي نقرأ رائعة ماركيز ولو بالاتكاء على قاموس سلس وبليغ.. وكله يهون من أجل «فيفير بارا كونترار لا» ويا عم غابرييل غارسيا ماركيز.. ندعو لك باتمام الشفاء حتى تعيش وتحكي.. وتحكي..