الاثنين 25 شوال 1423 هـ الموافق 30 ديسمبر 2002 الشغل الشاغل للبنانيين فى هذه الأيام الأخيرة من العام ليس ما يسيطر على غيرهم من الخوف من هواجس الحرب، التى تهدد المنطقة كلها، ولكن الشغل الشاغل للأغلبية هنا هو سهرة نهاية العام التى يروج لها مع كم هائل من الدعاية على كل المستويات من الذين ينفقون الآلاف المؤلفة فى ليلة واحدة إلى الذين يمكن أن يقضوها بمبالغ بسيطة، ويكفى أن ينصت الانسان إلى إحدى إذاعات موجات إف إم التى تملأ لبنان ليتعرف على أهم المواقع وحتى الأسعار الخاصة بليلة نهاية العام، أما الذين يعيشون هم الحرب وما بعدها فليسوا كثيرين فمذهب امرؤ القيس «اليوم خمر وغدا أمر» يكاد يشكل الهم العام على الأقل هنا فى بيروت. غير أن هناك كثيرين دون شك يعيشون هموم المنطقة وينظرون بقلق إلى التحركات الأميركية لاسيما وأن الوضع الاقتصادى فى لبنان يثير أزمة حتى بين أركان الحكومة ففى الأسبوع الماضى خرج المدرسون فى تظاهرة شارك فيها بعض الوزراء، ولعل هذا من الأشياء المميزة والتى لا توجد ربما فى أقطار أخرى أن يخرج وزراء فى الحكومة للتظاهر ضدها. والأمر لم يقف عند حد التظاهر ضد الحكومة من بعض وزرائها وإنما وصل إلى حد نعى الحكومة على لسان نائب رئيسها عصام فارس الذى أعلن فى الثالث والعشرين من ديسمبر أنه «تلقى خبر وفاة الحكومة التى دخلت العناية الفائقة وقد تولى نعى الفقيدة للرأى العام نبيه برى معلنا أن مراسيم الدفن ستجرى بعد إقرار الموازنة». وأذكر حينما وقعت مظاهرات المعلمين أنني سألت أحد أصدقائى من الصحفيين اللبنانيين الظرفاء، قلت له: هل هناك أحداث اليوم؟ قال: نعم هناك مظاهرة للجيش يفضها المعلمون، فغرقت فى الضحك بعدما فهمت مقصده، وهو أن أعداد الجيش التى سعت لمحاصرة التظاهرة ربما كانت أكبر من عدد المتظاهرين فبدا الأمر وكأن الجيش هو الذى يتظاهر. وكان اللبنانيون قد انشغلوا لأيام أيضا يتابعون عملية إغلاق بعض المطاعم أو بعض المحلات التى تعمل تحت ستار أنها مطاعم فى وسط المدينة قريبا من مجلس النواب، حيث قامت شرطة مجلس النواب بإغلاقها لأنها تقوم بأعمال كما ذكر البعض ربما تزيد عن كونها مطاعم، وقد ذهبت مع بعض الأصدقاء إلى وسط المدينة حيث يحب المشى فى المساء كثير من السياسيين وأعضاء البرلمان وحتى الوزراء فى ظاهرة أيضا ربما لا تتكرر كثيرا فى دول أخرى، ومطاعم وسط المدينة تتميز فى كثير من الأحيان بروادها ممن على مشارف سن التقاعد أو تجاوزوها حيث يحبون قضاء السهرة هناك مع تناول العشاء، لكن السيدات حتى وإن بلغن الثمانين هنا فى لبنان فهن يتميزن بالشعر الأصفر «الأشقر»، وكنت أداعب بعض أصدقائى اللبنانيين فقلت لهم إن لديكم ظاهرة لا تتواجد إلا فى لبنان فقط مثل ظواهر كثيرة هى أن السيدات هنا حينما يكبرن فى السن تصفر شعورهن فيما تبيض فى كل دول العالم، وكانت واحدة من هؤلاء قد استوقفتنى أثناء تناول غدائى فى مطعم الفندق الذى كنت أقيم فيه فحيتنى وقالت لى: لماذا لا تقوم باستضافة سيدات فى برنامجك وتعتمد فقط على الرجال؟ فقلت لها هذا غير صحيح، والدليل على ذلك أن ضيفتى بالأمس كانت الدكتورة ميرفت التلاوى، قالت: من المؤكد أنك استضفتها من أجل منصبها، ولكن ماذا عليك لو استضفتنى في حلقة من برنامجك معى سوف تسبب انقلابا فى العالم العربى. طنت كلمة انقلاب فى أذنى وأعدت النظر إلى السيدة السبعينية ذات الشعر الأصفر «الأشقر»، ثم قلت فى نفسى بالفعل كان من الممكن أن أسوي انقلابا فى العالم العربى لو قمت بإجراء حلقة معها قبل خمسين عاما مثلا أما الآن فمن الممكن أن تنقلب الدنيا على رأسى لو أجريت هذه المقابلة التى لا أعرف عن أى موضوع سوف تكون، ثم ضحكت، وقلت لها: إننى لا أنوى القيام بانقلاب فى هذه المرحلة ولكن إذا عزمت على ذلك فسوف أتصل بك، فضحكت هى الأخرى، غير أن أكثر ما أضحكنى من طرائف نهاية العام هنا كان سائقا مصريا نوبيا أصيلا من هذا الصنف الذى تشعر أنه مزيج من تراب مصر وأصالتها ورائحتها وسماحة ولطف وطيبة أهلها، حيث انتابه الغضب حينما قابله أحد اللبنانيين وهو يسير فى الاتجاه المعاكس للسير بالسيارة فقلت له: إنها فوضى مرورية مثل التى فى مصر، فقال: ياسيدى إنهم هنا لا يعرفون كيف يمارسون الفوضى، إن للفوضى أصولا وقواعد وهؤلاء لا يعرفون أصول الفوضى فنحن فى مصر نمارس الفوضى باحتراف وفق الأصول، أما اللبنانيون فإنهم يمارسونها «بغشم» وهم بحاجة إلى دروس كثيرة حتى يعرفون كيف يحترفون ممارسة الفوضى.. غرقت فى الضحك وأنا أتابع تحليلات عثمان لفلسفة الفوضى وأصولها واحترافها، ثم قال لى: أين ستقضى ليلة رأس السنة هنا فى بيروت يا أستاذ؟ فقلت له وأنا أواصل ضحكي: حتى أنت يا عثمان؟! ـ كاتب واعلامي مصري