الاثنين 25 شوال 1423 هـ الموافق 30 ديسمبر 2002 مع إطلالة يناير 2003، تشرق شمس الذكرى السابعة والثلاثين للانطلاقة المعاصرة للثورة الفلسطينية المسلحة، وبالروافد الوطنية التي تعاظمت خلال سنوات أواخر الستينيات، من القرن العشرين خاصة مع انطلاقة فجر التيار الواقعي البراغماتي الوطني الفلسطيني، الذي قدم إسهامات كبيرة، أحدثت تحولات نوعية في الفكر السياسي والبرنامجي الفلسطيني، وساهم بنقل الحالة الفلسطينية من موقع المراوحة في المكان وتحت يافطة الشعارات إلى مواقع الصياغة السياسية البرنامجية والفعل والتأثير داخل المجتمع الدولي، فتم لاول مرة منذ النكبة بلورة الأهداف الوطنية المرحلية في سياق استراتيجية متكاملة، وانضمت فلسطين إلى أسرة الأمم المتحدة عام 1974 كتحول بارز في تاريخ الصراع في الشرق الأوسط. ويدخل الفلسطينيون العام الميلادي الجديد وهم يرون أمامهم الطريق طويلة ووعرة، وعورة تضاريس خارطة الصراع في الشرق الأوسط، والمنطقة ملبدة بغيوم الحرب والعدوان المحتمل على العراق، حيث تتعثر كل يوم سكة السلام الذي بشرت به مسيرة مدريد، وهو السلام الذي مازال سلاماً منقوصاً ومشوهاً، ودروبه معطلة وخارج سكة الشرعية الدولية، وهي السكة الوحيدة المؤهلة في هذه المرحلة التاريخية لإيصال التسوية إلى السلام الشامل المتوازن القائم على أساس الحلول الوسط، وهي الحلول التي يمكن لها أن تؤسس لحل تاريخي حقيقي وناجز يوفر العدل على ارض فلسطين التاريخية. اطلالة قاتمة ويطل العام الميلادي الجديد، إطلالة مكفهرة بالمعنى السياسي مع الصمت الذي يحيط بأجراس بيت لحم والقدس وبيت جالا وبيت ساحور حيث دبابات الاحتلال، وبالمعطيات الإسرائيلية الداخلية التي لا تحمل سوى تعاظم دور تيارات اليمين والتطرف الساعية لسحق الانتفاضة الفلسطينية بقوة البارود والنار، وفرض حلول الأمر الواقع على الشعب الفلسطيني في الضفة والقطاع. كما يطل العام الجديد وليس واضحاً في الأفق المرئي كيف سيستطيع الأميركيون فرض خطتهم المعنونة تحت اسم خارطة الطريق العتيدة على الجبهة الفلسطينية، طالما أن ما تعرضه حكومة إسرائيل الآن على الجانب الفلسطيني هو أقل بكثير مما اتفقت غالبية الفلسطينيين على اعتباره حلاً متوازناً في المرحلة التاريخية الراهنة، بل واقل حتى مما اتفق عليه أوسلو واستنساخات أوسلو . اللهم إلا بزيادة حجم الضغوط على الجانب الفلسطيني الرسمي . وباستثناء الحالة السلبية، أو لنقل حالة التفكك في الموقف الفلسطيني في ظل سبحة لا تتوقف من التنازلات المتتالية والنزول تحت سقف معادلة القوة الإسرائيلية ، فان الاتجاه المرئي للأحداث يشير إلى أن التفاعلات على الأرض ستستمر على جبهة الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي لسنوات مقبلة خاصة مع صمود تيارات التطرف داخل الدولة العبرية الصهيونية، وبحكم كون هذا المسار يشكل خلاصة لقضايا وعناوين الصراع الرئيسية في الشرق الأوسط، وهي عملية لا تحكمها الفهلوة والبراعة في التفاوض، بقدر ما تحكمها القدرة على إحداث تغييرات وتفعيلات في الأجواء وعلى الأرض وفي المحيطين الإقليمي «العربي» والعالمي، وقبل ذلك في الإطار الفلسطيني من خلال إعادة ترتيب الوضع الداخلي واستعادة الوحدة الوطنية الفلسطينية المفتقدة منذ المشاركة الفلسطينية المجزوءة في مدريد مروراً باتفاقيات أوسلو . إن تحدي العام الجديد بالنسبة لحركة التحرر الوطنية الفلسطينية تحد بالغ الخطورة وعميق الأثر على مستقبل الشعب الفلسطيني لسنوات طويلة مقبلة، ويطرح عليها دوراً مرتقباً تتصدره جملة من المهام . فبين التصور الإسرائيلي « الأميركي » لحل يمكن أن يرسم وينجز على أساس تقسيم الأرض المحتلة عام 1967 وضم اكثر من نصفها إلى الدولة العبرية الإسرائيلية « 58% حسب الاقتراحات الأخيرة المقدمة من شارون للحل الدائم» وإدامة التبعية الفلسطينية، اقتصادياً وأمنياً، لدولة الاحتلال، وبين الحل الذي يمكن أن يحوز على قبول غالبية كبيرة من الشعب الفلسطيني، ان لم تكن غالبية ساحقة بون شاسع . فالتحدي هذا العام سيحسم الخيار بين مشروع «خطة الطريق» بالصيغة الأساسية التي قدمتها واشنطن دون إدخال التعديلات المقدمة فلسطينياً، وعربياً، ودولياً من باقي أعضاء اللجنة الرباعية ـ الصيغة التي تؤسس لـ «كامب ديفيد 3» ممسوخ ومقزم بطبعة اميركية وإسرائيلية لا علاقة لها بحلول الشرعية الدولية وبين حل يراعي المصالح والاهداف الوطنية في هذه المرحلة التاريخية مستنداً الى الحل الوسط القائم على المرجعية الدولية وقرارات الامم المتحدة ومجلس الامن، بما في ذلك استحضار القرار 194 الخاص بحق اللاجئين في العودة. فالتسوية الحقيقية لا يمكن ان ينجزها عسكر وسياسيون اسرائيليون صهاينة من غلاة وعتاة اليمين وثعالب «اليسار المزور» يمثلون بكل تشكيلاتهم الحزبية زبدة التطرف في الدولة الاسرائيلية «شارون، موفاز، عوزي لنداو، تساحي هنغبي، ليمور ليفنات، بن اليعازر، داني ياتوم، افراييم سنيه..» ومازالوا مشبعين بروح العنجهية والتفوق والرغبة في كسر شوكة شعب الثورة الطويلة والانتفاضات المتلاحقة . حلول القوة وبالمحصلة المنطقية، ليس معروضاً على الفلسطينيين حتى الآن سوى حلول القوة الإسرائيلية على يد هذه النماذج من قادة الدولة العبرية والمرشحين المحصنين لقائمة الكنيست السادسة عشرة القادمة، وهي النماذج التي تختفي أمامها كل الحمائم في الدولة العبرية وأدعياء السلام ليصبح الأمن والمصالح الإسرائيلية هي المعيار والمقياس الوحيد لأي حل للصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي من منظور دولة الاحتلال، وتتساوى المعادلة بين «صقور وحمائم». إن الوطنيين الفلسطينيين المتمسكين بأهداف الشعب الفلسطيني وثورته وانتفاضته، يقفون بالتأكيد في الخندق المناهض لعملية الرضوخ لضغوط الأميركيين والإسرائيليين . والعودة إلى قيادة جماعية مسئولة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية الواحدة الموحدة وتحت راية برنامجها الائتلافي المشترك الذي يمثل مساحات التقاطع بين كل قوى الشعب الفلسطيني وطيفه السياسي «يمكن أن تنبثق، مثلاً، عن انتخابات تمثيلية عامة » لتحمل مسئولية قرارات ستؤثر على مصير الشعب وأرضه ربما لعقود طويلة، وتحتاج، بالضرورة، إلى التفاف شعبي واسع حولها في الداخل والشتات . وفي هذا السياق فإن حوارات القاهرة الفلسطينية ـ الفلسطينية والحوارات التي تديرها الجهات المصرية المسئولة مع قيادات القوى والفصائل الفلسطينية الأساسية، يمكن أن تعطي نتائجها عندما تستجيب مختلف الأطراف الفلسطينية لصيغة البرنامج الائتلافي الموحد الذي يوحد حركة القوى على الأرض، ويرسم الخطوات العملية لتطوير الانتفاضة والمقاومة، والوصول إلى شاطئ الانتصار. ـ كاتب فلسطيني ـ دمشق