الاثنين 25 شوال 1423 هـ الموافق 30 ديسمبر 2002 لو كان المجتمع الدولي نزيها في رفضه العنف الاسرائيلي بقدر رفضه العنف الفلسطيني كما توحي تصريحات تصدر من حين لآخر عن قيادات اوروبية واميركية، لفكر وزير الدفاع الاسرائيلي شاؤول موفاز الف مرة قبل ان يصدر نداءه الى القوات الاسرائيلية بقتل «المزيد من الفلسطينيين»، فهذا السياسي العسكري الاسرائيلي يعلم، في ظل تأييد اميركي كامل لسياسة الابادة الاسرائيلية، المعنى الحقيقي لموقف المجتمع الدولي، وعلى هذه الخلفية فانه مما لاشك فيه ان القادة الاسرائيليين يضحكون استهزاء وسخرية كلما سمعوا سياسيا فلسطينيا يدعو الى وقف العمليات الاستشهادية من اجل «كسب تأييد المجتمع الدولي». وبينما تنهمك القوات الاسرائيلية في تنفيذ حملات القتل بالجملة في الاراضي الفلسطينية والاعتقالات وهدم المنازل، منتقلة من تصعيد نوعي الى آخر يرى الجنرال موفاز ان ايقاع سياسة الابادة مازال بطيئا فيصدر تعليمات صريحة الى قادة وحدات الجيش وجهاز الامن الداخلي «بتشديد الضغط على المناطق الفلسطينية والعمل بقوة وحزم ضد رجال المقاومة الفلسطينية في اي مكان يتواجدون فيه». هذه التعليمات صدرت في اعقاب اغتيال تسعة فلسطينيين واعتقال عشرين من ثلاث مدن في الضفة الغربية وهدم عدد من المنازل، ولم نسمع اي كلمة في اي عاصمة اوروبية او العاصمة الاميركية على غرار ما نسمع من عبارات استنكار وادانة كلما وقعت عملية استشهادية فلسطينية. واذا كان المغزى الواضح الفاضح هو ان يتوقف العنف الفلسطيني نهائيا دون ان يتوقف العنف الاسرائيلي لحظة، فان اي عربي لابد ان يتساءل عن ماذا يعتمد في اذهان اولئك السياسيين الفلسطينيين ومن يؤيدونهم من المعلقين العرب عندما يجارون الدعوة الغربية المريبة الى وقف العمليات الاستشهادية. لقد سمعنا الدكتور صائب عريقات وزير الحكم المحلي في السلطة الفلسطينية يستصرخ المجتمع الدولي للتدخل الفوري ووقف ممارسات الحكومة الاسرائيلية «الهادفة الى تدمير السلام وتدمير السلطة الفلسطينية» وهذا النداء العاجل صاغه الوزير الفلسطيني في رسائل بعث بها الى واشنطن وبروكسل «رئاسة الاتحاد الاوروبي» ونيويورك «الامم المتحدة» بالاضافة الى كندا واستراليا. لم تكن تلك هي الرسائل الاستغاثية الاولى من نوعها ولن تكون الاخيرة ومع ذلك فاننا نتساءل: ما هو الرد الذي يتوقعه ذلك المسئول الفلسطيني اذا كانت كل هذه العواصم تلتزم السكوت وهي ترى قوات موفاز وشارون تسحق جماهير الشعب الفلسطيني سحقا، بينما ترتفع اصواتها باستنكارات تشنجية كلما سقط عدد من اليهود جراء عملية استشهادية للمقاومة الفلسطينية. على ان ما اعلنه د. عريقات على شاشات التلفزيون اهم واخطر من مضمون رسائله الى عواصم «المجتمع الدولي» فقد قال ان الهدف الاستراتيجي الاكبر للحكومة الاسرائيلية الان هو اعادة الوضع في الاراضي الفلسطينية الى ما كان عليه قبل اتفاق اوسلو، اي اعادة تنصيب الادارة الاحتلالية، مما يوحي ان مضمون هذه الاستراتيجية هو ضم الضفة الغربية الى اسرائيل، وربما ايضا قطاع غزة اذا استعدنا الى الاذهان ما اقترحه احد قادة «الحزب الديني القومي» المشارك في حكومة شارون الائتلافية بترحيل الشعب الفلسطيني الى شبه جزيرة سيناء المصرية. السؤال الذي ينبغي اذن ان يطرح هو: اذا كان هذا هو الهدف الاستراتيجي لليمين الاسرائيلي الحاكم راهنا والذي غالبا ما يتولى الحكم ايضا بعد الانتخابات عند نهاية يناير فما هي طبيعة الموقف الاستراتيجي المضاد بقيادة السلطة الفلسطينية على افتراض ان لها موقفا استراتيجيا؟ وايا تكن استراتيجية السلطة الفلسطينية فانها ينبغي الا تتضمن بحال من الاحوال وقف المقاومة المسلحة بأشكالها بما في ذلك العمليات الاستشهادية فأى توجه من هذا القبيل ليس له سوى معنى واحد، هو ادارة الظهر لهدف تحرير الارض من الاحتلال بالاستسلام لاعتبارات المخطط الاستراتيجي الاسرائيلي. لقد قال د. عريقات في سياق حديثه ان قرار الحكومة الاسرائيلية الاخير بانشاء «مناطق عازلة حول المستوطنات ما هي الا محاولة لاحباط اي جهد لاقامة دول فلسطينية من خلال فرض حقائق استيطانية على الارض». هذه حقيقة.. وهي حقيقة خطيرة، من الصعب تصور ان يكون هناك ما هو اخطر منها ولكن هل الاستنباط السليم الذي ينبغي ان يستخلص من هذه الحقيقة هو «وقف العنف» استجابة لما يطلق عليه «المجتمع الدولي» بينما يواصل شارون فرض الحقائق الاستيطانية على الارض؟