الاثنين 25 شوال 1423 هـ الموافق 30 ديسمبر 2002 كيف يمكن ان نتصور وجود طفل قاريء وأبويه قد قطع كل منهما صلته بالقراءة منذ ان هجر مقاعد الدراسة وانضم الى صفوف العاملين حيث تغيب وسط زحام المسئوليات اليومية تلك النوايا الحسنة المتعلقة بشيء اسمه المطالعة والتصفح الحر للأوراق المثبتة بين دفتي كتاب فيما مضى وانقضى، أو لتلك الحروف المتجاورة على شاشة الحاسوب في ذلك الفضاء المفتوح الذي تنعدم فيه القدرة على السيطرة على الوقت، او القدرة على اختيار المادة المناسبة وسط ذلك السيل من الموضوعات مما يجعل من محاولة القراءة شيئا عبثيا لا طائل له ولا جدوى منه!! والواقع يؤكد ان وجهة النظر هذه أصبح لها جمهور غفير رآها مناسبة لتبرير فشله في إدارة ذاته، وتحقيق قدر من التواصل مع الابداع الانساني في شتى حقول المعرفة والثقافة ومن اشهر المبررات التي اعتمدها المنظرون للدعوة الى الاكتفاء الذاتي بالمعلومات القديمة المكتسبة من زمن الطفولة والمراهقة ضيق الوقت، وتكاليف الوظيفة المرهقة بدنيا، الى جانب تزاحم المسئوليات، وهو الثالوث الخطير الذي ظل يردده اولئك الناس كلما أتاهم صوت من هنا او هناك مذكرا اياهم ان العالم اليوم يسابق الريح.. ليكتشف المزيد من اسرار العلم، وهو سباق اجاده الكبار وحدهم دون سواهم من فاقدي الاحساس بالزمن!! ولقد اعطى دعاة الاكتفاء الذاتي بالمعرفة المكتسبة خلال سنوات الدراسة انفسهم اجازة مفتوحة من عناء البحث والنظر، والاخذ والرد في جدوى تغيير موقفهم المشاحن من تجديد معارفهم القديمة، دون أن يشعروا بفداحة هذا الموقف، واسقاطاته على حياتهم الاسرية قبل أي شيء آخر. ولو أننا طالبنا اولئك الاباء والامهات ان يستعرضوا معلوماتهم السابقة في اصول وقواعد تربية الابناء فبماذا سيجيبون؟! ولو انتظرنا ان يحدثونا عن الخبرات التربوية عالية القيمة التي اكتسبوها من الدراسة النظامية في المدارس، أو ما تلاها في الجامعة فكيف سيكون الرد؟.. هل ثمة شاهد واحد يؤكد ان حال المدارس اليوم وواقع التعليم في الماضي والحاضر له ادنى ارتباط بتعليم فنون التعامل مع الاطفال أو له أدنى صلة بالتدريب على كيفية ادارة المشاكل الاسرية دون الحاجة الى استخدام العنف بشتى اشكاله وصوره؟! أوليس من أكبر المآخذ على سياسات الدول العربية التعليمية انها مقطوعة الصلة بالحياة العملية، وان المحصلة النهائية للفوائد الناتجة عن المراحل الدراسية الثلاث لا تتجاوز نسبتها في اعلى التوقعات 10% مما يحتاجه الفرد في حياته العملية والاجتماعية والاسرية. وما لنا نذهب بعيدا في نقد مناهجنا المبتعدة عن خدمة الواقع، وعن تلبية حاجات الفرد الحيوية من وجوده في البيئة المدرسية، وانضمامه الى قافلة الدارسين، وهي عاجزة عن مساعدة الطالب في اختيار التخصص العلمي الذي يتناسب مع مواهبه واستعداداته. والشواهد السنوية تتوالى في توضيح بعض النتائج المخيبة للآمال للمحصلة التراكمية لسنوات الدراسة والالتزام بقوانين وانظمة المدارس في الوطن العربي فكم من طلاب وطالبات حققوا نتائج دراسية مرتفعة في الثانوية العامة، ولكنهم عجزوا عن الاختيار الصحيح لنوع التخصص الدراسي الذي يتناسب مع ميولهم وامكاناتهم العلمية، مما ادى الى احباطات وتجارب مرة انعكست على تلك الفئة التي كان من الواجب بل ومن المنتظر ان تكون هي الدليل الملموس على حيوية مناهجنا التعليمية. ولكن الانتقال غير المنظم، والاختيار العشوائي بين الأقسام العلمية في العام الدراسي الأول لبعض الطلبة المتفوقين يؤكد فشل المناهج الدراسية، والبيئة المدرسية في تعريف الطالب بنفسه، ومساعدته على اختيار هدفه بدقة ووضوح، وهو ما لم تستطع تلك المناهج، ومعها برامج الارشاد الجامعي تقديمه للطلاب والطالبات. فاذا كان واقع التعليم لدينا يعجز عن مساعدة النابهين في تحديد اهدافهم العلمية أفيقوى ذلك الواقع على تحقيق اكتفاء معلوماتي في شتى حقول المعرفة الانسانية لجموع الخريجين والخريجات؟!! سؤال ينتظر الجواب.