الاثنين 25 شوال 1423 هـ الموافق 30 ديسمبر 2002 تذكر عملية اغتيال جار الله عمر الامين العام المساعد للحزب الاشتراكي في اليمن قبل يومين بالواقع المرير لوضع حرية الرأي في العالم العربي. فقاتل جارالله برر فعلته الشنيعة بأنه يعارض آراء الضحية، كما اعرب عن رغبته في اغتيال سياسيين آخرين لا يتفق معهم. هذه الجريمة توضح عقليات بعض المتطرفين والمتعصبين في العالم العربي الذين يلجأون للعنف كوسيلة لتحقيق مصالحهم ورؤاهم ويتخذون من الدين الاسلامي السمح شماعة يضعون عليها أخطاءهم والاسلام منهم براء، فديننا الحنيف يحرم قلع أو حرق شجرة في أرض العدو فكيف الحال في زهق روح بريئة. حرية الرأي مسرحية فصولها حزينة تتكرر دائماً مع اختلاف المسرح والشخصيات في العالم العربي. وبالرغم من اختلاف آفاق الحريات بين الاقطار العربية هناك خط احمر رسمي لا يمكن تجاوزه إلا بإذن الجهات العليا. وهذا الوضع ليس زرعاً شيطانياً ولكنه نتيجة طبيعية لغياب الديمقراطيات والحريات بمستويات مختلفة. ويدفع هذا الامر احيانا للتطرف ويكون ذريعة للبعض لاعتماد منهج القوة والعنف لمواجهة الاخرين وعلى حد سواء في الطرف الرسمي أو المعارض. ومن المنطقي جداً ألا يلجأ الباحث عن العدالة الى ظلم الآخرين ولكن هذا المنطق لا يصمد امام شهوة السلطة واحيانا من شدة قسوة الآخر. وللأسف في عالمنا العربي يظهر التطرف في الجانبين احيانا وعلى سبيل المثال يمكن ان تكون هناك سلطة ترفض مبدأ المعارضة تماماً وتنفي من الاساس وجودها وان لم يكن ذلك الصقت بها تهم الاجرام والتخريب والعمالة والارهاب مؤخراً والكثير من ذلك، وهذا يمثل احد جانبي التطرف. اما الجانب الاخر المعارضة مثلاً فيرى ضرورة قلع النظام القائم من جذوره وتحويل انجازاته الى اصفار، وكيل كافة اشكال التهم على النظام. ان العالم العربي ليس بحاجة الى انظمة أبوية تقرر وتحدد مصير الفرد منذ ميلاده الى غيابه. وكذلك الامر بالنسبة للمعارضة فرجل الشارع لا يبحث عن قوى أو معارضة ترفع من العنف منهجاً وتهدف للتغيير الشامل. وفي آخر المطاف يكون الوطن ضحية للفوضى من جراء صراع الطرفين ويدفع المواطن الباحث عن لقمة العيش الثمن في نهاية الامر. الاصلاح مطلوب وبصورة عاجلة في الوطن العربي لمواجهة ومواكبة المستجدات في العالم ولكن من الافضل ان يكون من الداخل حتى يصب في مصلحة الوطن وما يخدم الامة العربية. واليأس احيانا يدفع البعض الى البحث عن بديل بغض النظر عن هويته. ان ما حدث في اليمن الشقيق أمر في غاية الحزن ويذكر بضرورة احداث تغييرات داخل الاقطار العربية لان حرية الرأي بحاجة لعلاج فعال حتى لا تصبح «الرصاصة مقابل الفكرة» أسلوباً للتعامل مع الاخرين. ولذلك يجب ان تكون هناك جهود حقيقية للارتقاء بمستوى الحريات في العالم العربي بمشاركة الجميع ولا يقتصر الامر على «الصفوة»، فيمكن للباحثين والاكاديميين والاعلاميين وغيرهم مشاركة السياسيين في رسم توجه نحو حريات أوسع وبناء دولة المؤسسات، وستبقى الكلمة دائما اقوى من الرصاصة.