الاحد 25 شوال 1423 هـ الموافق 29 ديسمبر 2002 من القصص التي يضرب بها الغربيون المثل على غرابة القوانين في بلدانهم، تلك القصة التي تقول إن عجوزاً تمتلك كلباً من ذلك النوع الذي هو أقرب إلى القطط منه إلى الكلاب. وقد قامت ذات يوم بعمل حمام دافيء له بالماء والشامبو، ونظراً لأنها كانت في عجلة من أمرها وهي تنوي اصطحابه في نزهة خلوية، فقد قامت بوضعه في فرن «المايكروويف» لتجفيف شعره كسباً للوقت، وعندما فتحت الفرن فوجئت بكلبها العزيز وقد تفحّم تماماً في مشهد لم تتوقع رؤيته، مع أن ذلك ما يفترض أن يتوقعه أي عاقل. جن جنون السيدة العجوز، وقامت من فورها بالاتصال بمحاميها الذي رفع بعد أيام ـ جمع خلالها الأدلة ـ قضية على الشركة المصنعة لفرن «المايكروويف» متهماً إياها بخداع الجمهور لأنها لم تضع على الجهاز عبارة تحذيرية تفيد بأنه يجب ألا يستخدم لتجفيف شعر الكلاب. الغريب أنها قد كسبت القضية ضد الشركة التي ألزمتها المحكمة بدفع تعويض مناسب للسيدة العجوز، ووضع العبارة التحذيرية المشار إليها على كل ما تنتجه من هذه الأجهزة. تذكرت هذه القصة وأنا أقرأ الأسبوع الماضي التصريح الذي أدلى به وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد، معرباً فيه عن قلقه إزاء ما وصفه بالتهديد الذي تشكله المدارس الإسلامية على الأمن القومي الأميركي، قائلاً إن هذا النوع من المدارس ينص على ممارسة الإرهاب، وأنها تعلم الناس الكراهية وقتل الأبرياء من الرجال والنساء والأطفال، معترفاً بأنه لايزال من غير الممكن وقف جميع الأعمال الإرهابية التي تقوم بها جماعات مثل شبكة «القاعدة». ولا أخفي عليكم أن هذا التصريح قد بث في نفسي الرعب، ودفعني إلى إعادة النظر في المدارس التي يتلقى فيها أبناؤنا علومهم، فهي إما أن تكون مدارس غير إسلامية، وفي هذه الحالة تكون خارج تصنيف وزير الدفاع الأميركي وتنجو من الملاحقة والتنكيل بها، لكنها تجعلنا نشعر بالقلق على عقيدة أبنائنا والدين الذي يدينون به ويتلقون علومهم على أساسه. أما الاحتمال الثاني وهو أن تكون إسلامية فيضعها ـ حسب تصنيف الوزير المهموم بقضايا التعليم في عالمنا ـ في دائرة المساءلة، وتصبح بذلك هدفاً لنيران قوات مكافحة الإرهاب، ومناطق مستباحة لفرق التفتيش الدولية المنضوية تحت لواء الأمم المتحدة بقيادة كبير مفتشيها هانز بليكس، ولا نضمن أن تفاجئها فرقة من تلك الفرق للتفتيش في أدمغة المنتظمين في الدراسة بها عن بذرة أسلحة الدمار الشامل. وتحت إلحاح هذا الهاجس قمت بغارة تفتيشية على حقائب الأبناء المدرسية بحثاً عن جذور الإرهاب في المناهج التي يدرسونها، على فرضية أن المدارس التي يتلقون علومهم فيها مدارس إسلامية، حتى يثبت لنا عكس ذلك، أو ترفع التهمة عن المدارس الإسلامية ـ أيهما أقرب ـ ويصبح أبناؤنا خارج دائرة الاتهام التي تتسع يوماً بعد يوم. وكتاباً كتاباً.. ثم كراسة كراسة.. متصفحاً كل ورقة.. متفحصاً كل مسطرة وقلم ومبراة وممحاة.. باحثاً عن بذرة الإرهاب في كل كلمة وحرف وفاصلة يدرسها الأبناء، أخذت أبحث وأنقب، كما فعل جنود رامسفيلد قبل عام تقريباً من الآن في كهوف «تورا بورا» بحثاً عن أولئك الذين زلزلوا الأرض تحت أقدامهم، وأقاموا الدنيا ولم يقعدوها. وكما كانت الخيبة حليفة قوات التحالف ضد الإرهاب الذي أبحث عن جذوره وبذوره في كتب الأبناء، كانت خيبتي أنا أكبر، ليس لأنني وجدت تلك الجذور والبذور التي تحدث عنها الوزير الذي نذر نفسه لمكافحة الإرهاب، ولكن لأنني وجدت مناهج التربية الإسلامية التي يدرسها الأبناء لا تربي أساساً مسلماً يفترض فيه الإلمام بكل شئون دينه، ناهيك عن الإحساس بعظمة هذا الدين الذي فتح به السابقون أمصار الدنيا، وقهروا به أمماً وممالك وحضارات كانت تدين لها شعوب الأرض، وتخضع لها رقاب البشر، ونتبارى نحن العرب ـ قبل نزول الإسلام ـ في تأدية فروض الولاء والطاعة لها من غساسنة ومناذرة. وتحت تأثير صدمتي هذه في مناهج التربية الإسلامية التي يدرسها الأبناء، أخذت أقيم لهم اختبارات أولية في أبسط الأمور التي يفترض أن يعرفها المسلم كفرائض الوضوء ومبطلاته، وأركان الصلاة وسننها، فإذا بهم يحرزون أصفاراً مع مراتب الخيبة الأولى، وإذا بهذه المناهج ـ يا سيدي الوزير ـ لا تعلمهم حتى المباديء الأساسية للعبادات التي على المسلم أن يؤديها في يومه وليلته، وإذا بهم أبعد ما يكونون عن الإسلام الذي تخشاه وتتهم مدارسنا بحثّ أبنائنا على ممارسة الإرهاب باسمه، وإذا بهذه المدارس ـ مع الأسف ـ أولى صمامات الأمان لأمنكم القومي الذي تخافون عليه، لأن بينها وبين إعداد جيل يعرف قيمة الدين الذي ينتمي إليه ويدرك عظمته شأواً كبيراً. ولذلك فإنني أبعث من هذا المنبر رسالة طمأنة لمعالي الوزير الخائف على أمن بلده القومي واستقراره أقول له فيها: لتنم ملء جفونك يا سيدي الوزير، ولتطمئن الأجيال القادمة من أمتكم المسيطرة على العالم، الآخذة بتلابيب كل من يحمل اسم محمد أو محمود أو مصطفى، أو تميل بشرته إلى السمرة، فثمة بون شاسع بين مدارسنا ومناهجها، وبين تخريج جيل متمسك بدينه، يُخشى منه فرض مبادئه على العالم كما فعل أولئك الذين حملوا رسالته إلى كل بقاع الدنيا، ونشروها بالحكمة والموعظة الحسنة قبل أن يجردوا سيوفهم من أغمادها، ليحموا حدود الدولة العظيمة التي أقاموها وأسسوها على العدل والإنصاف واليقين، وليس على القوة والظلم وأخذ الناس بالظن، كما تفعلون أنتم الآن يا معالي الوزير. أما إن كان الإسلام ومدارسه الآن هي مصانع الإرهاب ـ كما تعتقدون وتصرحون ـ فعليكم أن تبحثوا إذن في ربوع إيطاليا وألمانيا واليابان واسبانيا وايرلندا الشمالية عن تلك المدارس الإسلامية، التي خرجت منها منظمات الألوية الحمراء وبادر ماينهوف والجيش الأحمر الياباني وإيتا والجيش الجمهوري الايرلندي، لأننا عرفنا الإرهاب ورأيناه وسمعنا به من هذه المنظمات، قبل أن تكون هناك شبكة اسمها «القاعدة» لم يتلق أي من المنتسبين إليها ـ كما تقول أجهزة استخباراتكم ـ من أولئك الذين ترددت أسماؤهم بعد زلزال الحادي عشر من سبتمبر سوى العلوم الدنيوية، وفي مدارسكم أنتم وجامعاتكم أو تلك الممتدة بجذور إليها. ابحثوا ـ يا سيدي الوزير ـ عن بذرة الإرهاب في تلك المدارس والجامعات، فربما كانت كامنة فيها، بينما تجوب أساطيلكم وحاملات طائراتكم بحار العالم، وتدوس أقدام جنودكم على ثلاثة أرباع قارات الدنيا، وترعب تصريحاتكم حكومات الدول الإسلامية كما أرعبتنا، وتدفعها ـ كما تفعل ماليزيا الآن ـ إلى إعداد الخطط لمراجعة واصلاح التعليم الديني فيها بهدف إزالة الخلط بين هذا التعليم وبين السياسة، وتشجيع الاعتدال، كما تقول خجلاً. وقديماً.. قبل أن تكون للإسلام مدارس «تخيفكم» مطلوب منّا أن نضع عليها عبارات تحذيرية تفيد بأنها لا تعلم الإرهاب، كما ألزم قاضيكم ذلك المصنع «خوفاً» على الكلاب.. قديماً قالت العرب: ـ «من مأمنه يؤتى الحذر».