الاحد 25 شوال 1423 هـ الموافق 29 ديسمبر 2002 «من يهن يسهل الهوان عليه» هذا هو المغزى الاعظم الذي ينطوي عليه اتهام ارييل شارون لسوريا بأنها تخفي اسلحة كيماوية وجرثومية نقلت اليها من العراق، واذا اضفنا الى ذلك الاتهام اللاحق الذي وجهه شارون الى «حزب الله» اللبناني بأنه تلقى من العراق ايضا صواريخ طويلة المدى فان هوان الحرب على انفسهم يغري عدوهم باستسهال الاستخفاف بهم. فبينما يتحمس العرب لمجاراة اميركا في دمغ العراق الشقيق بامتلاك ترسانة من اسلحة الدمار الشامل لدرجة استعداد بعضهم للمشاركة في حرب اميركية ضد العراق او على الاقل عدم معارضتها فإنهم يلتزمون بسكوت غريب عن ترسانة اسرائيل النووية الموجهة الى الشعوب العربية كسلاح ردعي نهائي. فهل كان بوسع شارون ان يتحرش بسوريا على نحو ما فعل عند نهاية الاسبوع المنصرم لو كان هناك على منضدة مجلس الامن الدولي مطالبة من مجموعة دول الجامعة العربية بفتح ملف اسلحة الدمار الشامل الاسرائيلية؟ ان جرأة هذا الزعيم الاسرائيلي الذي يدرك ان دولته تمتلك 200ـ 300 رأس نووي غير ترسانة اضافية من الاسلحة الكيماوية واخرى من الاسلحة الجرثومية لا يمكن تفسيرها الا على وجه واحد فقط هو انه يعلم علم اليقين ان غالبية الزعامات العربية هينة وواهنة ومدمنة للهوان الذاتي. لمدى 11 عاما متصلة ظل العراق البند الرئيسي على الاجندة الخارجية لأي ادارة اميركية في شأن اسلحة الدمار الشامل بينما مثل هذه الاسلحة متوفرة لدى اكثر من 20 دولة كبرى وصغرى من بينها الولايات المتحدة نفسها واسرائيل، وطوال هذه الاعوام المتصله لم نر زعيما عربيا ينهض في مواجهة رئيس اميركي ليسأله: لماذا العراق وحده؟ ولماذا لا يقترح المندوب الاميركي لدى مجلس الامن الدولي ارسال فرق تفتيش دولية الى اسرائيل كما هو الحال مع العراق؟ على ان الاتهام الثلاثي الاضلاع الموجه اسرائيليا الى تواطؤ سوري مع العراق وتواطؤ مماثل مع العراق يشارك فيه «حزب الله» لا ينبغي على خطورته اخذه بظاهره فقط.. فهو اتهام قد يكون باطن، فربما اراد شارون ـ باتفاق مع جورج بوش ـ ان يهييء الاذهان الى ان كلا من سوريا «وحزب الله» على قائمة الحرب الاميركية المرتقبة.. او ربما يكون الهدف الشاروني ـ اذا استبعدنا احتمال الحرب ـ الحيلولة دون رفع نظام العقوبات عن العراق استنادا الى ان بعضا من اسلحة الدمار الشامل المتهم بها نقلت الى سوريا. لقد سمعنا مرة زعيما عربيا او زعيمين يطالبان باخلاء منطقة الشرق الاوسط بأكملها من اسلحة الدمار الشامل. ان المطلوب هو مطالبة عربية رسمية جماعية على المستوى الدولي ونتصور مثلا ان يعقد اجتماع قمة عربية تتبنى مشروعا قويا ليرفع رسميا الى مجلس الامن الدولي باسم المجموعة العربية ويطالب باصدار قرار من المجلس ينص على انشاء لجنة للتفتيش عن اسلحة الدمار الشامل في اسرائيل على غرار اللجنة الدولية الخاصة باسلحة العراق كما ينص على فرض نظام عقوبات على اسرائيل اذا رفضت التعاون مع اللجنة.. وينص ايضا على الغاء القرار 1441 بشأن التفتيش عن الاسلحة في العراق في حالة الرفض الاسرائيلي للتعاون. ونعلم ان الحجة الاميركية المعلنة لتبرير الاستهداف الاميركي لاسلحة الدمار الشامل في العراق هي ان الترسانة العراقية تشكل خطرا على جيران العراق. لكننا نتساءل نحو من توجه الترسانة الاسرائيلية؟ ان الحجة الاميركية تنطلق من اعتبارات ثوابت الحماية الاميركية للامن الاسرائيلي وبموجب هذه الثوابت فان اسرائيل ينبغي ان تبقى على الدوام القوة الاقليمية المتفوقة والمهيمنة في منطقة الشرق الاوسط. ولكي تبقى كذلك فان الضمانة الكبرى هي ان تملك اسرائيل ما لايملكه الآخرون في المنطقة.. السلاح النووي وما يتبعه من اسلحة الدمار الشامل الاخرى، الكيماوية والجرثومية، وبذلك تكون الدولة اليهودية على الدوام في موقف يمكنها من ابتزاز العرب سياسيا بانفراد بملكية آلة الردع النهائي. فكيف اذن لا يتحرك العرب لفتح ملف اسلحة الدمار الاسرائيلية ولو انطلاقا من غريزة البقاء؟