الاحد 25 شوال 1423 هـ الموافق 29 ديسمبر 2002 مبادرة روجرز، مبادرة الملك فهد، مبادرة ريغان، مبادرة السادات، مبادرة كيسنجر، المبادرة المصرية /الفرنسية، مبادرة بوش الأول والثاني، وأولبرايت وميتشيل والأمير عبد الله و ... و... أخيراً مبادرة كولن باول من أجل إصلاح العالم العربي !! مبادرة لكل مواطن عربي أظن ان مجلدات ضخمة لن تكون كافية لاحتواء الأوراق التي تضمنت المبادرات المختلفة لحل أزمة الشرق الأوسط والخطابات المتبادلة بشأنها، والتصريحات التي سبقتها وواكبتها وأعقبتها، والتحليلات السياسية والإعلامية التي تناولتها، والأحلام والآمال التي أيقظتها وأخمدتها ... ان تلك الأوراق لو نثروها لغطت مساحة العالم العربي كله من المحيط الى الخليج، بل ويمكن ان نزعم بكل فخر بأنه توجد مبادرة لكل مواطن عربي !! .. في هذه المتاهة، وبين أشجار المبادرات الكثيفة، عادت رؤوس المتأمركين من بني جلدتنا للظهور، يدقون نواقيس الديمقراطية وحقوق الإنسان، يؤكدون لنا ان إسرائيل لم تفعل بنا شيئاً، ولكننا لأسباب مرضية نفسية غامضة تلذذنا بتعذيب انفسنا، وانهم هم وحدهم ومعهم سادتهم الاميركان لديهم الترياق الشافي لكل أوجاعنا، ولتكن البداية في تعرية المرأة في مجتمعاتنا، وان تتعلم كيف تتابع خطوط الموضة، وتدرك حكمة البغاء في حل العقد النفسية، لان العفة ـ في نظر هؤلاء المبشرين الجدد ـ هي انغلاق، والانحلال هو عين الانعتاق، لانه جوهر الحرية التي هي أساس الحضارة. لم تعد المسألة إذن أرضاً محتلة أو إهدار كرامة الإنسان العربي بواسطة محتل بغيض، وإنما أصبحت المسألة عيوب في الجسد العربي والإسلامي تتطلب جراحاً أميركياً أو عميلاً وطنياً لإصلاحها، وهذا هو فصل الخطاب ونهاية الكتاب، فلكي تكونوا عرباً صالحين لا يجب ان تكونوا عرباً بالمرة، عليكم ان تتخلوا عن ثقافتكم وعاداتكم ولغتكم وأحلامكم، ان تأكلوا هامبورجر وبيتزا هت، وتشربوا كوكا كولا، وتحلموا بالحلم الاميركي الذي لن يتحقق لكم أبداً !! إصلاح العالم العربي بـ 29 مليون دولار .. يا بلاش!! لقد وقف طيب الذكر الذي قدم أجداده من أفريقيا، السيد المبجل كولن باول، واعتدل وتمطى وارغى وأزبد وصال وجال وأمر ونهى، ووضع لنا روشتة العلاج الذي قدرت أميركا تكلفته بحوالي 29 مليون دولار.. لإصلاح ما أفسده الدهر في العالم العربي الحزين .. أي ما يقرب من ربع ما خصصته الإدارة الاميركية لطيب الذكر في جنوب السودان السيد جون قرنق الذي وعدوه بـ 100 مليون دولار في إطار ما أسموه بخطة سلام السودان .. وهذا منطقي تماماً لان إصلاح العالم العربي يتكلف أقل من نفقات إفساد السودان!!.. وسرعان ما انطلقت أفواه المتشدقين بالديمقراطية، المتباكين بالدمع الهتون على غيبة الحريات، تزغرد وتنظر وتحلل، كان السيد باول ـ لا فض فوه ـ قد أتى لنا بالتائهة، وانعقد مولد المطبعين والمطبلين أبناء السبيل الذين يتعايشون على صدقات المنظمات غير الحكومية ويحملون جنسية أوطان يفاخرون بأنهم لا ينتمون اليها، فهذا يعقد حاجبيه على الجبين اللجيني ويقول في حكمة سقراطية انه قد عاش حياته وسوف يموت من أجل الديمقراطية. وهذا الديمقراطي المتأنق لا يرى عيباً في ضرب العراق أو تمزيق الشعب الفلسطيني، فهذا هو حقه الديمقراطي الذي كفلته له الدساتير والمواثيق الدولية وخزانة المخابرات المركزية الاميركية، وهو ينظر بازدراء شديد لأولئك المتخلفين الذين لا يزالون يقبضون على أمانيهم القومية كالقابض على الجمر، ويعتبر باعتداد شديد ان الإسلام موضة قديمة، ولا يجد حكومة عربية على مقاسه، فهو يريد حكومة بالتفصيل وبالمقاس الاميركاني. ان السيد باول ـ الإفريقي الأصل ـ يتباهى علينا بالقيم الاميركية، لكنه لم يذكر لنا رأيه في هذه القيم التي استحلت لنفسها استعباد أجداده، وظلت حتى ظهور حركة الحريات المدنية في أميركا في ستينيات القرن الماضي تعتبر ان الملونين هم أبناء الجارية، وكانت نفس هذه القيم التي أذاقت هؤلاء الملونين سوء العذاب . كذلك لم يذكر لنا سيادته عن رأيه في ان الإدارات الاميركية المتعاقبة قد أيدت ودعمت الحكومات غير الديمقراطية والعسكرية لمدة تزيد على نصف قرن ليس فقط في الشرق الأوسط وإنما في أميركا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، بل وعملت على قلب بعض الحكومات التي وصلت الى السلطة بالطريق الديمقراطي، وزرعت عملاءها الذين يسبحون بحمد الديكتاتورية العادلة والاستبداد المشروع وينظرون للديمقراطية الزائفة ؟ .. لقد كان ذلك أميركياً جداً آنذاك لانه لو طبقت الديمقراطية الحقيقية في تلك البقاع، وأخذاً في الاعتبار التيار الاشتراكي السائد، لكانت أغلب هذه الدول إن لم يكن كلها قد اصطفت في المعسكر الشرقي. شربة القسيس الآن يقدم لنا السيد باول ـ الإفريقي الأصل ـ الوصفة السحرية التي تشبه تلك الزجاجة التي كان يبيعها الدجالون في قرى مصر ويسمونها شربة القسيس زاعمين ان بها سائلاً يشفي جميع الأمراض من مرض الانفلونزا للعقم الجنسي وصولاً الى الإيدز، علماً بأن هذا السائل لم يكن في الغالب سوى ماء أي ترعة أو بركة مر عليها الدجال في طريقه وملأ منها زجاجته. إذن فقد مال السيد باول بزجاجته على أول بركة اميركية، وأخذ يرش علينا ماءها كي يباركنا ويعيد إلينا الخصوبة المفقودة ويشفينا من علل الإرهاب والتخلف، وأظن ان 29 مليون دولار لا تساوي غير ذلك .. أي مجرد ثمن زجاجات شربة القسيس بعدد مواطني العالم العربي السعيد . لقد تحدث عن إصلاح المرأة والتعليم والانظمة السياسية، ولكنه لم يتحدث عن الفقر والجهل والمرض، لم يشأ ان يعرج على ما أحدثته التبعية الاقتصادية واحتكار الغرب للأسواق، لم يتحدث عن الديون الخارجية التي تأكل كل إمكانيات التقدم حيث تبتلع الغث والثمين من الدخل القومي، لم يتحدث ـ وهذا هو الأهم ـ عما تمثله إسرائيل من تهديد للأمن القومي العربي، وهو تهديد يشعر به كل مواطن عربي في بيته وتحت جلده وبين أعصابه . أهل مكة وشعابها ولكن هل يعني ذلك ان القضايا التي طرحها السيد باول ـ الإفريقي الأصل ـ ليست قضايا حيوية ؟، انها بالفعل كذلك، وهي هم كل شرفاء المثقفين العرب، إلا ان الخلاف هنا هو زاوية الطرح، ومصدر التناول ودوافعه، لقد حفظ العرب عن ظهر قلب ان أي أزمة لأميركا تتمخض عن مبادرة يقذفونها الينا، والمبادرة الجديدة لا تختلف عن سابقاتها، فهي تمهيد لضرب العراق وربما لعقاب بعض الحكومات التي أبدت اعتراضاً على بعض سياسات أميركا، وهي غطاء لعربدة إسرائيل في الأراضي المحتلة، حيث ان المطروح هناك مثلاً ليس وقف الاعتداءات الإسرائيلية أو تغيير النهج الهمجي للحكومة الإسرائيلية، وإنما ـ وبكل ببساطة ـ تغيير القيادة الفلسطينية بحيث تصبح أكثر شفافية وقابلية للمحاسبة، أو بمعنى آخر أكثر تطويعاً . وليس هذا محل مناقشة صحة أو عدم صحة ما طرحه السيد باول، فأهل مكة أدرى بشعابها، ونحن نعرف ما نحتاجه منها، ولكن كيف تصور ان نبتلع تعاطفه مع المرأة العربية، حين لم نر أي تأثير لصراخ المرأة الفلسطينية الثكلى أو التي هدم بيتها فوق رأسها ؟، هل يعرف مثلاً ان عدد السفيرات العربيات أكبر من عددهن في العديد من المجتمعات التي يتباهى بها ؟، هل يعرف كم لدينا من وزيرات ونائبات في البرلمان وكاتبات ومهندسات وطبيبات وغيرهن في كل مناحي الحياة؟، ورغم اعترافنا بوجود بعض القصور هنا أو هناك، ولكننا لا نرى علاج هذا القصور في وصفة اميركية ترى ان حرية المرأة الحقيقية هي حريتها في العري أو في مرافقة الرجال كيفما شاءت . ولعل سيادته ومن لف لفه من أبناء جلدتنا المتأمركين لا يعرفون ان الديمقراطية ليست اختراعاً أميركياً، فالديمقراطية الحقيقية هي نتاج الحضارة العربية الإسلامية، وهي التي مزجت بين الحرية الفردية والواجب الاجتماعي والرفاهية الاقتصادية في إطار واحد، هي تلك الديمقراطية التي لم تستحل باسم الديمقراطية استعباد شعوب العالم وارتكاب أبشع الجرائم ضد الإنسانية، ويستطيع من لا يعرف ان يقرأ كتب التاريخ. وقد يقفز علينا أحد الديمقراطيين المتأنقين من أبناء السبيل الاميركي كي يقول متأففاً كفانا حديثاً عن التاريخ ومجد الماضي، إنما نتحدث عن الواقع !! ، وهنا يجب ان نسأله لماذا يرى ان هذا الواقع يجب ان يفرض علينا من الخارج في حين اننا نمتلك أدوات أفضل وقيماً أعظم، وهي مجربة وناجحة بالتأكيد؟ لقد اختار السيد باول ـ الإفريقي الأصل ـ ان يخاطبنا من منبر جمعية التراث الاميركية، دون ان يكلف نفسه عناء الاقتراب من تراثنا «أو تراثه الأصلي في إفريقيا» لكي يعرف ان الشعوب العربية قد تتحمل وتصبر على حاكم وطني مستبد، وقد تغضب عليه وتلعنه في الصباح والمساء، ولكنها لا تتحمل أو تقبل ان يتولى أجنبي إزاحة هذا الحاكم . وتلك ليست أعراض مرض نفسي، وإنما جزء من تراث يعتز بنفسه وبقيمه، ولديه من التجارب ما يسلحه لمواجهة الواقع وتغييره الى الأفضل. المبادرة القادمة بناء على تلك المبادرة الجديدة، فمن المفترض ان تتأهل المجتمعات العربية كي تستقبل ذوي العيون الزرقاء والشعر الأصفر كي يعلموننا كيف نغسل أيدينا وأسناننا، كيف نربي أولادنا ونعلمهم، كيف تصبح نساءنا على القالب الاميركاني، كيف نعبد ربنا ونقرأ قرآننا وإنجيلنا، وربما لزيادة الفائدة ان نحفظ الدستور الاميركي، ونطلق الفول والطعمية ونتزوج من شقراء الهامبورغر الشقية! ان السؤال الأهم الآن، والذي قد يجيبنا عنه العباقرة من بيننا وخاصة أولئك أبناء السبيل الاميركي، هو ترى بعد تدمير العراق واستكمال تمزيق فلسطين، ترى ماذا سيكون شكل المبادرة الاميركية المقبلة، ان المسألة على أية حال لا تحتاج خيالاً خصيباً، فربما تكون تلك المبادرة عبارة عن نصيحة واحدة بأن ننتحر انتحاراً جماعياً بإلقاء انفسنا في الخليج العربي والمحيط الأطلسي، وبذلك نريح ونستريح، وتحل مشكلة الشرق الأوسط الى الأبد .. ـ كاتب مصري