الاحد 25 شوال 1423 هـ الموافق 29 ديسمبر 2002 مهما كانت التحفظات، ومهما تعددت الصعوبات، فإن اجتماعات القاهرة بين الفصائل الفلسطينية هي أمر ايجابي، تجسد ـ قبل كل شيء ـ استمرار حالة الصمود العظيم للشعب الفلسطيني امام حرب الابادة التي تشنها النازية الاسرائيلية المدعومة بتأييد أميركا وبصمت العالم وبالعجز العربي. اجتماعات القاهرة تعكس احساس كل الفصائل الفلسطينية بخطورة الأوضاع التي تمر بها القضية الفلسطينية، وتحاول مواجهة العاصفة الأميركية المقبلة الى المنطقة لتعيد تشكيلها وفقا لرؤية امبراطورية واشنطن التي تعتبر نفسها مركز الخير بينما «الآخرون» - وفي مقدمتهم العرب والمسلمون ـ هم محور الشر الذي ينبغي استئصاله أو ترويضه وتركيعه وفرض الاستسلام عليه. واجتماعات القاهرة ـ رغم كل ماتواجهه من مشاكل ـ تعكس قدرة فلسطينية نجحت حتى الآن في تفادي الفخاخ التي نصبت لها لاستدراجها الى الاقتتال الداخلي، وتمسكت ـ رغم الضغوط الخارجية والاخطاء الداخلية ـ بالحوار وسيلة لمواجهة الخلافات مهما كانت. وهو أمر يراهن البعض على استمراره بينما يخشى البعض أن يكون طريق الحوار قد شارف نهايته، وأن يكون للضغوط الأميركية والتصعيد الاسرائيلي والأوضاع الداخلية المتردية دورها في فرض حلول لا يمكن تمريرها الا بالقوة وبتصفية أي معارضة لها. وكل هذه أمور مشجعة، جعلت القاهرة تلقي بثقلها وراء هذه المحادثات التي تتم بمشاركة فعالة من اللواء عمر سليمان مدير المخابرات المصرية القريب من الرئيس مبارك. وهو أمر يحمل في طياته اعلانا بأن الشأن الفلسطيني بالنسبة لمصر ليس مجرد جهد دبلوماسي لتخفيف التوتر، ولا مجرد وساطة بين أطراف النزاع، ولا حتى تضامن مع اشقاء يحاربون معركة استقلالهم، ولكنها ـ قبل ذلك وبعده ـ قضية أمن قومي لمصر لا يمكن أن يتحقق الا بتحرير الأرض العربية المحتلة، ووضع حد للعدوان الاسرائيلي، وإنهاء الخلل في توازن القوى بين العرب وإسرائيل، ورفض كل مشروعات التوسع الصهيونية والهيمنة الأجنبية على المنطقة. كل هذه أمور مشجعة نسبيا وسط الظروف الصعبة الحالية، خاصة أن الكثيرين يرون أن الولايات المتحدة جادة في الالتزام بالوعد الذي قطعته بإقامة الدولة الفلسطينية (بالشروط الأميركية)، وأن من مصلحة واشنطن تهدئة الاوضاع في الاراضي الفلسطينية قبل اشتعال المنطقة بالعدوان الأميركي المرتقب على العراق. وأن «خطة الطريق» التي تعد بدولة فلسطينية في نهاية الأمر (حتى ولو كانت مؤقتة) تجسد هذا الالتزام الأميركي الذي لابد من استغلاله فلسطينيا للتقدم خطوة في تنفيذ المطلوب وتهيئة الأوضاع للبدء في التطبيق بعد الانتخابات الاسرائيلية كما تعد واشنطن. على الجانب الآخر تبدو المخاوف ليست قليلة، ويبدو هذا الرهان وكأنه رهان على مجهول، ويبدو الخلاف بين الفصائل الفلسطينية أكبر من التعامل التكتيكي مع الظروف الصعبة الطارئة. وعندما يعلن بعض أقطاب السلطة الفلسطينية مقدما أن المطلوب من الحوار هو تفويض من الفصائل الفلسطينية للسلطة لكي تدخل في مفاوضات لانهاء القتال. فإن الأمر لابد أن يثير موجة من التساؤلات التي لابد أن تضع الفصائل الفلسطينية اجاباتها امام شعب قدم ومازال أغلى التضحيات في معركته من أجل الكرامة والاستقلال، ولأمة مازالت ـ رغم القهر الداخلي والضغوط الخارجية ـ واثقة من قدرتها على الصمود الذي تملك أدواته وعلى الانتصار الذي تملك اسلحته وان كانت حتى الآن برهن المصادرة. إن أحدا لا يستطيع ان يزايد على المقاتلين من أجل كرامة الأمة على أرض فلسطين، هؤلاء الذين قدموا الأرواح ودافعوا بأجسادهم في مواجهة الدبابات الاسرائيلية والطائرات الاميركية وحصار التجويع المضروب عليهم وحالة العجز المفروضة على النظام العربي.. هؤلاء ـ بكل توجهاتهم ـ يدركون حجم المسئولية ويعرفون كيف يصمدون في المواقف الصعبة حتى وان اختلفت الاجتهادات وتعددت الطرق الى الهدف المنشود. وبعيدا عن التلاعب بالألفاظ فإن السجال يدور بين رؤيتين: الأولى جسدها محمود عباس (أبومازن) في خطابه الشهير الذي طالب فيه بوقف الانتفاضة واعتبر أن اللجوء لاستخدام القوة كان خطأ فلسطينيا فادحا وكانت نتيجته تدمير ما بنته السلطة الفلسطينية واعادة احتلال المناطق الفلسطينية (المحررة).. وهي رؤية تتفق والمطالب الأميركية والشروط الاسرائيلية التي تطلب وقف ماتسميه «الارهاب الفلسطيني» كشرط لاستئناف المحادثات. والرؤية الأخرى تجسدها قوى المقاومة المسلحة في «حماس» و«الجهاد» وفصائل من «فتح» ترى في التخلي عن المقاومة كارثة وطنية، وتعتبر استمرار الانتفاضة هو أساس أي عمل وطني من أجل الاستقلال، وتؤكد أن عشر سنوات من التفاوض في ظل اتفاقيات أوسلو كانت نتيجتها صفر كبير، وأن العدو الصهيوني لن يرضخ الا بالقوة وحين تتعاظم أرقام ضحاياه، وأن الشعب الفلسطيني قد برهن على قدرته على الصمود وأكد اصراره على خيار المقاومة، ولا مجال لالغاء ارادة الشعب مهما كانت النوايا حسنة! ومع ذلك فإن الوصول الى نقاط اتفاق ليس مستحيلا، وقد كادت الفصائل الفلسطينية في أغسطس الماضي أن تتوصل الى هذا الاتفاق لولا أن «حماس» اعترضت في اللحظة الاخيرة، ورفضت «فتح» توقيع الاتفاق في غيبة «حماس» لكن الظروف تبدو الآن أشد إلحاحا، وكل الفصائل تدرك ذلك، وتدرك أيضا جسامة الثمن الذي تحملته الانتفاضة في غيبة الاتفاق بين الأطراف الفاعلة في الساحة الفلسطينية. صحيح أن الانتفاضة شكلت لجنتها للتنسيق بين كافة المنظمات، ولكنها عجزت أن تفرض على الجميع تشكيل الجبهة الوطنية وترجمة ذلك في سلطة تمثل هذه الجبهة. إن المطروح من السلطة الفلسطينية الآن مهم وجوهري، وهو أن تكون هناك قيادة فلسطينية واحدة تقرر في السلم والحرب. وهو مطلب تأخر كثيرا وكان يمكن ـ لو تحقق ـ أن يجنب شعبنا الفلسطيني الكثير من الخسائر التي تحملها خلال السنوات الماضية. لكن هذا المطلب لن يكون تحقيقه ايجابيا الا اذا كان نتيجة للتوافق على عدة أمور أساسية: - إن القيادة المقترحة ليست هي السلطة التي انتجتها أوسلو. وانما هي سلطة جديدة تجسد ارادة كل الشعب الفلسطيني وتصميمه على الاستقلال. وفي الطريق لتحقيق هذا الهدف لابد من مراجعة أمينة لحصاد السنوات العشر الماضية، ولابد من الاقرار بأن الوضع الصعب للشعب الفلسطيني ليس بسبب الانتفاضة، وانما بسبب الاحتلال أولا، وبسبب «كارثة أوسلو» التي ما كان يمكن لأي عاقل أن يتوقع لها غير هذه النهاية. - إن الكل يشارك في المسئولية عما حدث ويتحمل نصيبه المطلوب في عملية التصحيح الواجبة.. لكل مسئول.. السلطة التي تصورت أن «أوسلو» أنهت مرحلة المقاومة، والمنظمات التي انشغلت بصراعاتها، والمناخ الذي سمح بالفساد السياسي والإداري، وغياب التنسيق بين فصائل المقاومة حين اندلعت الانتفاضة بينما كان التنسيق الأمني بين أجهزة الأمن الفلسطينية والإسرائيليين قائما! ـ إن القيادة المطلوبة لابد أن ترتكز على برنامج سياسي واضح يلتزم به الجميع. برنامج لا يكون هدفه المناورة لتمرير ماهو مرفوض شعبيا، ولا استغلال الظروف الصعبة للشعب الفلسطيني لفرض تنازلات جديدة، ولا الخنوع لابتزاز أميركي يرهن مصير السلطة الحالية بقبول ما لا يمكن قبوله، ويقدم المبادرة تلو المبادرة لكسب الوقت وابتلاع الأرض وتهدئة الجو حتى تنتهي عملياته المرتقبة في العراق، ثم تتكرر مأساة ماحدث بعد حرب الخليج الثانية واستدراج العرب الى المزيد من التنازلات. إن أي برنامج سياسي للوحدة الوطنية لا يمكن ان يكون هدفه استرضاء اميركا أو مساعدة اليسار الاسرائيلي «المتوهم» في الانتخابات، أو ستر عورة النظام العربي العاجز عن فعل شئ وهو يواجه الكارثة، أو مجرد مخاطبة الرأى العام العالمي الصامت على المجازر التي يقيمها النازيون الصهاينة للشعب الفلسطيني، وانما البرنامج الذي يمكن ان تكتب له الحياة هو الذي يضع هدفا واحدا هو انهاء الاحتلال الاسرائيلي للأرض الفلسطينية بكل الوسائل المتاحة، والذي ينطلق من ايمان بأن الانتفاضة باقية والمقاومة لن تتوقف حتى الاستقلال، والذي يؤكد على وحدة كل المنظمات الفلسطينية وتمسكها بالحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني في اقامة دولته واستعادة قدسه وعودة ابنائه اللاجئين الى وطنهم. إنها الحقوق التي لا يملك أحد ان يتنازل عنها أو يساوم عليها مهما كانت الذرائع والمبررات ومهما اشتدت ضراوة العدو، ومهما ازداد حجم التضحيات المطلوبة وكل شئ بعد ذلك يمكن التفاهم عليه بين الفصائل مادام في هذا الاطار. ولا شك أن المهمة صعبة، وان حوار القاهرة بين الفصائل الفلسطينية لا يسير في طريق من الحرير، ومع ذلك فالوصول الى الاتفاق ضروري في هذه الظروف القاسية، وهو ممكن اذا كان هناك اتفاق عام حول محاور رئيسية تضمن استمرار الانتفاضة وتصاعد النضال ووضوح الهدف، وتؤكد على ان الوحدة الوطنية ليست مجرد «تكتيك» لتمرير اتفاقات مرفوضة، وتركز على أن القيادة الجديدة ليس من مهمتها تحقيق الأمن للإسرائيليين ولا توفير الهدوء المطلوب لازالة الحرج عن أمريكا وهي تعد للعدوان على العراق وتفتح الباب للمزيد من العدوان على الدول العربية، وانما القيادة مهمتها الوحيدة هي تحقيق الاستقلال وانهاء الاحتلال، وهي مهمة علمتنا تجربة السنوات الماضية انها لن تنجز بالتفاوض من أجل التفاوض، ولا باستجداء الحلول من الأميركان، وانما بالاستمرار في طريق الانتفاضة حتى النهاية، وبالتمسك بسلاح المقاومة وتصليب الجبهة الداخلية الفلسطينية، وحشد الشارع العربي الذي انتفض مع المقاومة الفلسطينية رغم الحصار والضغوط، ثم تراجع لأسباب عديدة يهمنا منها هنا أخطاء الفصائل الفلسطينية نفسها وغياب القيادة الواحدة التي تحسن التعامل مع الواقع وتعرف كيف تحول تضحيات شعبنا الفلسطيني العظيمة الى انجازات بدلا من تضيع الوقت وتبديد الطاقات في صراعات داخلية أو أوهام بأن الحل يمكن ان يأتي من الخارج أو يمر عبر طريق التنازلات. ويبقى الأهم في حوار القاهرة. ان تكون نقطة البداية هي الاتفاق الكامل على طبيعة المرحلة التي يخوضها الشعب الفلسطيني. وهل هي مرحلة بناء الدولة واصلاح اجهزتها ام تحرير الأرض وانهاء الاحتلال أولا؟ إنه السؤال المركزي في الحوار الدائر، والاجابة تحكمها تجربة مريرة بدأت في أوسلو، وعاش فيها البعض وهم امكانية بناء الدولة في ظل الاحتلال، فألقوا السلاح قبل الأوان، فكان طبيعيا أن يدوس العدو الاتفاقات بالاقدام، وان يطلب تحويل السلطة الفلسطينية الى جهاز لأمن اسرائيل حتى تستكمل مهمتها في تهويد القدس والاستيلاء على الضفة، وكان طبيعيا بعد تحول أميركا من شريك في السلام الى شريك في البطش بالشعب الفلسطيني أن يثور الشعب المجاهد وأن تنتفض الجماهير الصابرة.. هذه الانتفاضة التي يريد البعض انهاءها ويرى انها اصبحت عبئا على الشعب الفلسطيني بينما يرى الآخرون انها الطريق الوحيد الى الاستقلال، وانها ـ رغم جسامة التضحيات ـ قد فتحت الباب الى الحل الصحيح حين أثبتت للنازيين في اسرائيل أنهم لن ينعموا بالأمن الا اذا انتهى الاحتلال. وموقف الشعب الفلسطيني واضح في هذا الخلاف.. ويبقى أن يترجمه حوار القاهرة الى التزام من الجميع بمن فيهم هؤلاء الذين أوقعتنا «حكمتهم» في كارثة أوسلو، ومازالوا بـ «حكمتهم» يتمسكون بنفس المنهج، ويتصورون أن انهاء المقاومة وادانة الشهداء وتقديم التنازلات هي الطريق الصحيح للدولة الموعودة! والشهداء لا يعتذرون، والشعب الذي يكتب بالدم على أرض الرسالات في كل يوم معجزة، قادر على أن يفرض على فصائله الوطنية التوحد، وأن يكتب للانتفاضة الاستمرار في القتال حتى الاستقلال. ولعل الميلاد يكون في القاهرة. ـ نائب رئيس تحرير «اخبار اليوم» المصرية