السبت 24 شوال 1423 هـ الموافق 28 ديسمبر 2002 بدون أية مقدمات جاءني صوته متوتراً عبر الهاتف، فبادرني بهذا السؤال: لماذا يصر بعض المسئولين على الظهور عبر وسائل الإعلام بشكل يومي؟ فإذا كانت هناك مناسبة، أو حدث يستحق ابرازه لما فيه فائدة المجتمع وخير المواطنين فلا بأس، لكن بعض المسئولين (يخترعون) احياناً مناسبات لا تهم أحداً غيرهم وربما لا قيمة لها، فقط لتسلط عليهم الاضواء وتظهر صورهم في الجرائد والمجلات يومياً عبر صفحات الشئون المحلية أو المجتمع؟ وبعضهم يتحولون الى كتّاب ومحللين، فهل هذا أمر طبيعي؟ أم هي ظاهرة لها أسبابها وتستحق الانتباه والمناقشة؟ وبدون أي تبريرات لهذا السلوك الذي صار شائعاً في المجتمع لأسباب مختلفة، وبدون أية مقدمات ايضاً قلت له: إن تسليط الضوء على بعض الشخصيات قد يأتي ضمن سياق حدث معين أو انجاز مهم على مستوى العمل أو الأداء المؤسساتي أو على مستوى الانجاز الاجتماعي بشكل عام، وهذا أمر طبيعي جداً يحدث في كل مكان في العالم، لكن ظهور البعض بمناسبة ذات معنى وأهمية، وبمناسبة يخترعونها فتلك حكاية أخرى قديمة ومعروفة جداً، خاصة لأولئك المهووسين بحب الظهور الإعلامي. هناك مسئولون ـ صغاراً وكباراً ـ يعتقدون بأن الظهور اليومي عبر وسائل الإعلام يعني انهم ناجحون وبارزون وملفتون للنظر، كما انهم يرون في هذا الظهور نوعاً من الأمان والراحة، فكونهم تحت الضوء يعني لهم النفوذ والسلطة. وهذا يعني البقاء على الكراسي أطول فترة ممكنة ـ حسب اعتقادهم ـ بينما ينظر اليه الكثيرون على انه حالة من حالات التعبير عن خلل معين في الشخصية تتم محاولة تغطيته أو القفز فوقه بالبقاء تحت الأضواء طوال الوقت! لكننا كذلك يجب ألا ننسى بأن هناك الكثير من المسئولين الذين يبذلون قصارى جهدهم، ويعملون بكل اخلاص وتفان وبتميز مشهود، لكنهم يفعلون ذلك بعيداً عن الضوضاء والأضواء، انهم يقومون بواجبهم، ومن يفعل واجبه يستحق الشكر والتشجيع، لكن التشجيع لا يعني تسليط الضوء على كل حركات وسكنات الشخص وبسعي منه شخصياً، كما يفعل البعض! في المقابل فإن اعلامنا المحلي يقع في مطب خطير حينما يسعى لنشر تفاصيل لا تهم الأفراد في المجتمع، ولا تدفع بوتيرة تقدمه الى الأمام ولا تصب في خدمة أحد سوى ارضاء غرور المسئولين الذين تعودوا ان يفتحوا الصحف ليجدوا أنفسهم يومياً أبطالاً لصفحات الشئون المحلية وبأخبار يعلق عليها القراء قائلين: من يهتم بذلك؟ فمثلاً: من يهمه كثيراً أو قليلاً ان يتابع أو يعرف بأن المسئول الفلاني أو مدير الدائرة الفلانية سافر تلبية لدعوة ما، أو استقبل ضيفاً في مكتبه، أو غادر لقضاء اجازته في استراليا، أو كرّم شخصاً قدّم اقتراحات عديدة، أو زار قسماً من أقسام ادارته، أو شكر احدى الجهات، أو أنجز عدداً من المعاملات أو أثنى على موظفيه وحثهم على الجهد وبذل المزيد أو.... كل هذه الأخبار تأتي في اطار عمل هؤلاء المسئولين وصميم مسئولياتهم، أما نشره في الصحف فلا يهم أحداً على الاطلاق، وهو ظاهرة لا نجدها سوى في صحفنا في العالم العربي، وهي ظاهرة ينتقدنا عليها الآخرون بشكل سييء!! إن الحكاية لا تنتهي عند حد النقد أو عدم رضا المجتمع، لكنها تولّد ممارسات وسلوكيات داخل المؤسسات، فنجد كثيراً من الوزارات والدوائر ومكاتب العمل تتحول الى كرنفالات يومية من الاحتفالات وتقديم الجوائز وتكريم الموظفين واقامة الأمسيات واللقاءات في أفخر الفنادق و... من أجل جذب عدسات الصحف وأقلام الصحفيين، مع ان كثيراً من هذه المؤسسات التي يتألق مدراؤها ومسئولوها على صفحات الجرائد تعاني مشاكل لا حصر لها من البيروقراطية وتدني مستوى العمل وشكاوى المراجعين!