السبت 24 شوال 1423 هـ الموافق 28 ديسمبر 2002 نبارك الدعوة الديمقراطية، وننادي بالحرص عليها، وترسيخها واشاعة فضائلها وبركاتها كما نتجاوب مع دعاتها ونشد على ايديهم، ونرفع القبعات احتراما لهم من اية جهة جاؤوا او اية نظرية حملوا بدءا بأفلاطون وجمهوريته، والفارابي ومدينته ومن جاء بعدهما. غير ان الدعوة «لدمقرطة» المنطقة العربية والتي فتح الصفحة الاولى في كتابها وزير خارجية البيت الابيض الاميركي، واعلن عن تخصيص مبلغ لا يوازي ثمن طائرة مقاتلة، او صاروخ عجوز، تستنفر الاسئلة في الاوساط السياسية والشعبية على امتداد الدار العربية من محيطها المهموم الى خليجها الملغوم. 1ـ ان الديمقراطية حصيلة تطور اجتماعي، وتفاعل ثقافي، وارتقاء حضاري، ونضج انساني وتصالح نوعي بين المواطنين والبيئة التي ولدوا فيها، وامتزجوا بتراثها، وتاريخها، وترابها، فهي غير قابلة للاستيراد من الخارج، وفق برامج معلبة، ومخططات مرسومة، او وصايا ونصائح تصل بالبريد من خلف البحار!! 2ـ ان الديمقراطية هي الحرية بمختلف صنوفها وانواعها ومراتبها ودرجاتها، وهي قوة للشعب الذي يمارسها وامنية الجماهير العربية، وهاجسها وذروة طموحاتها.. فهل يحرص «البيت الابيض» على ان تتوفر هذه القوة للشارع العربي؟ ان معظم الحكام في هذه المنطقة هم اصدقاء او حلفاء لاميركا، في حين تقف الجماهير على النقيض من ذلك بسبب تحالف اميركا مع الباطل والعدوان الصهيوني في فلسطين، فهل من مصلحة اميركا ان تتحقق للجماهير الديمقراطية التي ستكفل لها بالنتيجة امرين اثنين: الاول هو الثورة ضد حكامها المتسلطين والقامعين، والثاني هو مواجهة المصالح الاميركية في المنطقة، لأن قيود الحاكم غير الديمقراطي هي التي تمنع هذه الجماهير وتحول دون معاندة اميركا حليفة الصهيونية العنصرية في الوطن العربي!! 3ـ هذه اليقظة الديمقراطية المفاجئة من جانب اميركا لماذا الان؟ هل هناك آذان تصغي، وعقول تستوعب، دروس الديمقراطية القادمة الينا على سروج الصواريخ العابرة للقارات، وحاملات الموت والدمار، وقطعان الدبابات التي ضاقت بها صحراء العرب؟ وهل الديمقراطية، وهي ارقى درجات التطور المتكامل، وانبل وجوه الارتقاء المجتمعي، يمكن ان تنمو في هذا البحر المتلاطم من التهديد، والوعيد، والهيجان، والرعب الذي تحدثه مناورات «نظرة من الداخل» والرعب الذي تنقله الفضائيات كمقدمة للحرب التي تزمع اميركا شنها على العراق تحت ذرائع لا تقنع احدا على سطح هذا الكوكب!! 4 ـ وهذه الانظمة الصديقة ـ جدا ـ لاميركا، والتي ترسخت عبر عشرات السنين، والتي يتوسل بعضها اميركا، ويرتمي في احضانها، ويقايض فردا من جنودها الغزاة بكل السيوف المضرية، ماذا سيكون مصيرها اذا تجرعت، وصفة الديمقراطية الاميركية المفاجئة؟! وهنا لابد ان نشير الى الاستفتاء الذي اجرته مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الاميركية السابقة والذي يؤكد تدهور صورة اميركا في 19 بلدا من اصل 27 تم فيها قياس الرأي العام، وان نسبة رفض سياسة اميركا تزداد يوما بعد يوم في معظم دول العالم. 5 ـ ان الديمقراطية كسياق تاريخي، ومعطى ايديولوجي، وتطور علمي ومعرفي تقود الى القوة ورفض الظلم والاستعمار والاحتلال والهيمنة فهل اذا تحقق ذلك في الدار العربية تكون المحمية الاميركية في المنطقة في أمان؟! 6 ـ وبعد، من ذا يصدق ان 29 مليون دولار اميركي يمكن ان تصنع ديمقراطية حتى لو كانت على طريقة «هوليوود» وافلام الخيال الجامح؟ 7 ـ هل يستطيع فاقد الشيء ان يعطيه؟ أليست اميركا اليوم هي التي تمارس كل ما يؤذي الديمقراطية من محاكم استثنائية، وسجن على الشبهة ورقابة اعلامية، وتمييز عنصري!. نرجو ان تحفزنا هذه المخططات التي تصنع لنا في البيت الابيض الصهيوني الى وقفة مراجعة للذات القومية، ندرك خلالها خطورة القادم ونتصرف كما يفعل الرجال في لحظات العزم والحزم والشدة فنتلاقى على جسر التضامن القومي، تحت راية المصير الواحد الذي اصبح الهدف الاساسي للصهيونية العنصرية، وحليفتها ادارة البيت الابيض الاميركي التي تحاول الاستيلاء على مواقف هذه الامة، ومواقعها وطاقاتها، ولن يكون العراق سوى بوابة العبور الى الطوفان او جهنم في الطالع من الاحداث الجسام. أليست مناورات «نظرة من الداخل» وقيادة «الكون» المركزية في الخليج العربي كافية لتحقيق الاستشعار عن قرب؟! ان استيراد الديمقراطية من وراء البحار مرفوض، لانها بضاعة فائضة عن حاجات السوق، وليت اميركا تستبدلها بمواقف عادلة، ومنصفة من الصراع العربي الصهيوني الذي يعتبر اساس الداء والبلاء في الوطن العربي. ـ نائب رئيس اتحاد الصحفيين العرب