السبت 24 شوال 1423 هـ الموافق 28 ديسمبر 2002 الدبلوماسية الألمانية عاتبة قليلا هذه الأيام على صديقتها تل أبيب. والسبب هو أن اسرائيل انتهزت فرصة ابداء المستشار الألماني جيرهارد شرويدر وعدد من أركان حكومته لبعض التمنع في الموافقة العاجلة على تزويدها بأنواع معينة من الأسلحة، وراحت تفضح الكثير من المستور في علاقتها مع برلين. ولم تكن حكومة شرويدر لتظهر امتعاضها من هذا التصرف لولا أنها تأكدت من صدوره عن قصد، استهدفت به تل أبيب ممارسة ضغوط عليها، لاسيما من جانب واشنطن المستفزة أصلا ضد هذه الحكومة لترددها في الانصياع لسياستها العراقية. موجز الأمر، أن اسرائيل طلبت من المانيا تزويدها بمدرعات من طرازات تحظر القوانين الألمانية تصديرها الى مناطق تشهد أزمات، وبصواريخ باتريوت وغواصتين مجهزتين لحمل أسلحة غير تقليدية. كل ذلك بزعم تعزيز احتياجاتها الأمنية «الدفاعية». لكن برلين استثنت في ردها على هذا الطلب البند الخاص بالمدرعات، كون هذا السلاح قابلاً للتحول للأغراض الهجومية واحتمال استخدامه ضد الفلسطينيين. وكانت حكومة شرويدر قد لفتت نظر تل أبيب في الربيع الماضي الى أن «العمليات العسكرية الاسرائيلية في الأراضي الفلسطينية قاسية جدا، بما يبرر ايقاف توريد بعض الأسلحة الى اسرائيل». وقد تصورت هذه الحكومة أن ذريعتها السابقة وتجاوبها مع بقية بنود الصفقة المطلوبة، سوف يعفيانها من الالحاح الاسرائيلي ويشفعان لها في الحفاظ على الود المتصل والصلات الخفية مع تل أبيب، غير أن ما حدث من هذه الأخيرة خالف التقدير الألماني تماما. التخابث والتذاكي فقبيل زيارة الرئيس الاسرائيلي موشي كتساف الى برلين «8و 9ديسمبر» واثنائها، بادرت المصادر الاسرائيلية السياسية والاعلامية، معززة بفريق من الأصدقاء داخل الدوائر الألمانية الى تسريب معلومات عن بعض ما سعى المسئولون الألمان لابقائه طي الكتمان. هذه المبادرة المباغتة كانت كافية للكشف عن أن اسرائيل تقدمت خلال السنوات الأربع الماضية من مستشارية شرويدر بسبعين طلبية أسلحة، وافق المجلس الاتحادي الألماني بزعامة المستشار ومشاركة حزب الخضر برئاسة وزير الخارجية يوشكا فيشر على سبعة وستين منها! ظهر ايضا أن شرويدر أبلغ منذ سنتين الحكومة الاميركية بأن بلاده تقدم مساعدات كبيرة لتقوية الاستقرار العسكري الاسرائيلي «بدون أن تعلن ذلك». بهذا الأسلوب، يفترض أن تل أبيب أرادت دفع حكومة برلين الى دائرة الحرج والمساءلة من جانب العرب. بل ولنا أن نذهب الى أن بعض النوايا الاسرائيلية تدور حول تعرية برلين أمام الشريك الأميركي وربما بايعاز مباشر من واشنطن. فإحدى النتائج المنتظرة من كشف مستور السياسة الألمانية بقيادة «المناكف» شرويدر الداعمة للعسكرية الاسرائيلية بغير حساب، بيان حجم النفاق والتلاعب الألماني في الشئون الشرق أوسطية. فها هو شرويدر «وحكومته» يساند القوة الاسرائيلية في حربها المنفلتة ضد الشعب الفلسطيني، فيما يزعم أنه يعارض آلية الحرب عموما لحل الأزمة العراقية، ويعرض وجها لسياسته يريده مشرقا في الأزمة الفلسطينية! الاسفين الاسرائيلي جاء في توقيت دقيق، وهو على تأثيره المزعج جدا لشرويدر وللسياسة الألمانية بعامة، لم يثر من طرف بون سوى القليل من الغضب والكثير من العتاب. شأن ما يحدث بين متحابين. غير أن برودة رد الفعل الألماني تعود - فضلا عن التواطؤ التقليدي مع اسرائيل ظالمة ومظلومة - الى الاستهانة بالسياسة العربية. ففي غير هذا الزمن العربي كان من شأن الموقف الألماني أن يثير غضبة. ومما يقفز الى الذاكرة بالخصوص، كيف احتج العرب جميعهم تقريبا على تدفق ما عرف بالتعويضات الألمانية لاسرائيل عما يسمى بالاضطهاد النازي لليهود، وكيف بلغ الاحتجاج الغاضب في عام 1965 طور قطع العلاقات الدبلوماسية مع «بون» المانيا الغربية - بمجرد أن أقامت الأخيرة علاقاتها الدبلوماسية مع اسرائيل. تتصور برلين الآن أنها بوارد ارضاء اسرائيل والعرب في ذات الوقت. أن تستمر في تسليح اسرائيل سرا فيما ترعى تبني سياسة متوازنة بين أطراف الصراع الاسرائيلي العربي والعطف على بعض حقوق الفلسطينيين علنا. أن تعارض العدوان الاميركي المبيت ضد العراق، بينما تبيع لواشنطن وتل أبيب سياسة حمالة أوجه تتذاكى بالقول «أنها لن تعارض استخدام أراضيها وأجوائها في تسيير العمليات ضد العراق». ماركة مسجلة! لا يدعو للدهشة اذا أن ترمي بعض الأوساط المنصفة والسلامية الألمانية سياسة حكومة شرويدر بالازدواجية والكذب. ومن مراجعة مسار السياسة الألمانية العربية في تقاليدها الأقدم بكثير من هذه الحكومة، نستيقن بأن هذه السمات السلبية تكاد تكون علامة مسجلة. فقبل الحرب العالمية الأولى تعاطف الأمبراطور غليوم الثاني ودعوة هرتزل عراب الصهيونية الأشهر، لكنه خشي من اعلان ذلك نزولا عند الصلات الألمانية التركية القوية آنذاك، وكانت المانيا مرشحة لاصدار التصريح الذي تبناه بلفور البريطاني عام 1917 ومن المعروف أن النازية طاردت الصهاينة في العلن وأبرمت معهم موادعات واتفاقات في السر، أشهرها اتفاقية التحويل التي زودت الييشوف اليهودي في فلسطين بالرجال والأموال والعتاد. حدث ذلك في الوقت الذي تعاملت فيه برلين النازية مع رجالات القومية والتحرر العربي كنصير لهم ومؤازر ضد السيطرة الاستعمارية لدول الحلفاء والمشروع الصهيوني على حد سواء. وفي كل أدوارها وأطوارها، كان لدى السياسة الألمانية ما تتذرع به وتبرر سلوكها. غير أن أكثر هذه الذرائع ثباتا وديمومة منذ أكثر من خمسين عاما، ما يقال عن مراعاة حساسية مواقفها بسبب عقدة «اضطهادها لليهود والمحرقة النازية»، ومراعاتها للنفوذ الاميركي المبثوث في تضاعيفها من جميع المناحي لاسيما العسكرية منها. لكن هذه المحددات الضاغطة ونحوها، لا تبدو مقبولة ولا منطقية بالحد الذي يحمل برلين الراهنة على امداد اسرائيل بأسلحة متطورة، تحرس بها هذه الدولة احتلالها الغاشم للأراضي العربية، وتستخدمها في قهر الشعب الفلسطيني بالمخالفة لأحكام الشرعية الدولية. الأكثر صدقية من ذرائع برلين والأدعى بنظرنا لتبرير صفقاتها السرية لدعم اسرائيل، التي تمثل صفعات بحق المتضررين من هذه السياسة، هو أنها، أي برلين، تحت حكم شرويدر أو غيره، تدرك بامتياز أنها بمنجاة من أية اجراءات عقابية رادعة، ومن آيات صحة هذا التحليل أن اجراء عربيا، ولو حتى بالاحتجاج والتنديد وفضح النفاق، لم يتخذ بحق المانيا غداة الكشف عن تعاونها المفرط مع العسكرية الاسرائيلية دائمة الاعتداء على حقوق عربية. فعلى من يقع اللوم؟ ـ كاتب فلسطيني ـ القاهرة