السبت 24 شوال 1423 هـ الموافق 28 ديسمبر 2002 لنفترض ان «رابطة دول جنوب شرق آسيا» طالبت باستجواب د. هنري كسنجر عن طريق الأمم المتحدة خارج الأراضي الأميركية عن دوره كمستشار للأمن القومي في سبعينيات القرن الماضي، في تأجيج نيران الحرب الأميركية ضد فيتنام.. فهل تستجيب الادارة الأميركية للطلب؟ أو قل ان «الاتحاد الأوروبي» طالب باستجواب علماء أميركيين بنفس الطريقة عن مسئوليتهم العلمية في انتاج الأغذية المعدلة وراثياً التي تصيب البشر بأمراض فتاكة، فهل تتجاوب الادارة الأميركية مع هذا الطلب؟ مثل هذه الأسئلة هي التي يطرحها د. كيفين دان الاستاذ الجامعي الأميركي في نيويورك في الوسائل الاعلامية بشأن مدى مشروعية استجواب العلماء العراقيين بواسطة اللجنة الدولية للتفتيش حول مسألة امتلاك العراق أو عدم امتلاكه أسلحة دمار شامل. لجنة التفتيش تباشر هذه المهمة بالطبع كممارسة لصلاحية قانونية خولها لها مجلس الأمن الدولي بموجب القرار 1441 الذي بموجبه تجرى عمليات التفتيش في الأراضي العراقية بوسائل متنوعة، فالقرار يعطي فرق التفتيش سلطة اجراء مقابلات مع أي أفراد عراقيين بمن في ذلك مسئولون رسميون وعلماء خارج الأراضي العراقية ـ إذا تراءى للمفتشين ان الضرورة تستدعي ذلك. لكن المشكلة الكبرى هي ان الولايات المتحدة دخلت على الخط بهدف استغلال هذا البند من القرار الدولي من أجل العثور على ذريعة لشن حرب شاملة على العراق. فقد ظلت ادارة بوش تمارس ضغوطاً شديدة ومتصلة على رئيس لجنة التفتيش الدولية هانز بليكس لحمله على اجراء مقابلات مع علماء عراقيين بأمل ان تقاوم الحكومة العراقية هذا التوجه فتتوفر بذلك ذريعة لواشنطن لانفاذ أجندة الحرب المعدة. ان د. دان لا يناقش العقبات العملية التي يمكن ان تصادف الادارة الأميركية في هذا الصدد، وإنما يتساءل عما إذا كانت عملية استجواب علماء عراقيين (أو مسئولين) مشروعة أصلاً من منظور مبادئ القانون الدولي، وفي سياق هذا التساؤل فإنه يعرض ثلاث حجج كما يلي: أولاً: إن عملية تسفير مثل هؤلاء الافراد تعتبر خرقاً واضحاً لسيادة الدول. «وسواء رضيت الادارة الأميركية أو لم ترض فإن العراق لا يزال دولة ذات سيادة وطنية في نظر القانون الدولي». ويمضي د. دان إلى القول ان القانون الدولي لا يسمح بتسليم أفراد من دولة إلى أخرى إلا بموافقة الدولتين «وإلا يكون تسفير الفرد ـ حتى لأمد محدود ـ اختطافاً وخرقاً لحقوق الانسان». إن اصرار الادارة الأميركية على استجواب علماء عراقيين خارج العراق من شأنه ان يضع هؤلاء العلماء أنفسهم في موقف حرج، فإذا رفضوا التجاوب مع الاستجواب فإنهم يكونون بذلك قد خرقوا القرار الدولي 1441، وفي هذه الحالة فإن الادارة الأميركية في تعجلها أمر الحرب بأية وسيلة قد ترى تحميل السلطات العراقية مسئولية هذا الخرق تمهيداً لشن الغزو. وإذا تعاون علماء عراقيون مع استجوابات لجنة التفتيش خارج الاراضي العراقية فأدلوا بمعلومات من شأنها تجريم حكومتهم فإنهم ومعهم عائلاتهم قد يواجهون عقاباً صارماً لدى عودتهم إلى العراق. ثانياً: يقول الاستاذ الجامعي الاميركي دان ان تسفير مواطنين إلى الخارج دون موافقة حكومتهم يرسي سابقة خطيرة «ينبغي على الولايات المتحدة ان تتجنبها» وانطلاقاً من هذه النقطة يورد د. دان المثالين النظريين اللذين سبقت الاشارة إليهما: طلب استجواب د. هنري كسنجر بواسطة رابطة دول جنوب شرق آسيا وطلب استجواب علماء أميركيين بواسطة الاتحاد الأوروبي (بشأن الاغذية المعدلة وراثياً). ثالثاً: يحذر الاستاذ الجامعي الأميركي من ان التكلفة تربو على المكاسب في اصرار الادارة الاميركية على استجواب علماء عراقيين خارج وطنهم فابتداء فإنه من غير المرجح ان تكون حصيلة المقابلات معلومات جديدة. ولكن ينبثق من هنا سؤال يطرحه العالم، كما يقول د. دان وهو: هل هدف الولايات المتحدة هو صدقاً وحقاً البحث عن معلومات بشأن ما إذا كان لدى العراق أسلحة دمار شامل أم ان الهدف الحقيقي هو استفزاز الحكومة العراقية لجرها إلى اتخاذ إجراء ما يوفر ذريعة لأميركا لاشعال الحرب؟ إذا كان هذا هو الهدف الحقيقي فإن الادارة الأميركية تركب مخاطرة.. هكذا يقول د. دان والمخاطرة تتمثل في ان اصرار واشنطن على استجواب العلماء العراقيين خارج العراق دون موافقة الحكومة العراقية سوف يؤدي إلى تفاقم المشاعر العالمية المضادة للولايات المتحدة وبالتالي ازدياد الهجمات على الاهداف الاميركية والاميركيين حول العالم. ثم ان الولايات المتحدة تسيء بهذا المسلك إلى وضعها كدولة عظمى ولا يملك المرء إلا ان يتفق مع د. دان في ان مثل هذا المسلك يفضح الولايات المتحدة لا كشرطي عالمي كما تحب ان تنظر إلى نفسها وإنما كفتوة دولي كما ينظر إليها العالم.