السبت 24 شوال 1423 هـ الموافق 28 ديسمبر 2002 يحلو لكثير من الناس في نهاية العام ان يجردوا أحداثه، مسجلين في دفتر أحلامهم ما تأجل من آمال وما وقع من أحداث. وجردة الأعوام حقيقة لابد منها لأن لكل سنة دورتها الفلكية، فالتاجر يراها من باب الأرباح، والموظف يصنفها في فأل العلاوات والترقيات، والطالب بتخلصه من سنة مريرة عانى فيها من غياب مدرّس الانجليزي ومرض مدرّس الرياضيات وزوغان مدرّس العربي، والصحفي ينبش في أرشيفه السياسي ليتأكد من وقائع الحرب المقبلة وليتنبأ بحرب جديدة لأن العالم يغلي وعلى الجميع ان يتذوق طبيخ أميركا، أما الزوجة فإنها ترى العام من منظار صلة الأرحام، لذلك وصلت عامها الفائت بعامها المقبل وقررت استضافة أمها في بيتها «كم يوم». لكن الزوج يراها من منظار مختلف، حيث ان حماته ستقيم لديه وقتاً «مفتوحاً» حتى يدب إليها الملل فتعود إلى بيتها، ولأن بيتها يبعد آلاف الأميال فإن زيارتها ستدوم مادامت ميسلون. الحموات تتساوى لديهن السنوات بعد تزويج البنات، فتمضي كل منهن سنة عند احدى البنات من ليلى الى هدى وصولاً الى عطيات التي تسكن على بعد آلاف الكيلومترات ويتحول الوقت من شهر الى سنة ومنها الى سنوات، وعندها يدخل الزوج إلى أحد الأندية الفلكية راصداً السنة الضوئية التي تعادل حوالي 300 ألف سنة عادية، لأن زيارة حماته تعادل سنة ضوئية بقضها وقضيضها ودخان عيدها. إلا ان العاشق يرى السنة الراحلة من ثقب صغير في دفتر الحب، فقد شاهد حبيبته مئات المرات وحمل إليها الزهور والأشعار وأنشدها الأشواق والوعود الخائبة لأنه لم يتقدم جدياً لخطبتها، لأن عينه بصيرة ويده مقطوعة، والزواج كما تعرفون يحتاج الى عيون عمياء وأكف مبسوطة لا يهدأ فيها المركب سوى اسبوع واحد فقط وبعدها... شدّوا الأحزمة! وحده المغني يرى السنة الراحلة سنة خير عليه وعلى جميع محبيه وعشاقه، فقد أحيا مئة حفل من استراليا إلى كندا، وفي كل مرة كان يقول لأنصاره ومؤازريه: «إن شاء الله سنتكم سنة خير» ولن ينسى أن يوجه «تحية كتير.. كتير كبيرة لأهلنا بفلسطين اللّي عم بيشوفونا، وبهالمناسبة السعيدة بتقدملن غنية ع الهوارة الهوارة الناس بتمشي لقدام، ونحنا بنرجع لورا». الرياضيون لا يعرفون من السنوات الجميلة إلا تلك التي فازوا بها ببطولة الدوري، حتى لو كل عشر سنوات مرة، ولأن الهزائم الرياضية وغيرها كثيرة، فقد توقفوا عن جرد السنوات وتحوّل الزمن لديهم إلى جملتين، يوم سرنا كأس العالم.. ويوم خسرنا الدوري. كذلك المعلمات اللواتي يقررن ان كل السنوات تتشابه إلا هاي السنة إذا ما نقلوني من هالمدرسة سأدبر واسطة وانتقل الى شي وزارة شغلها قليل وفلوسها أكثر، وحتى يحين موعد النقل المأمول ستغيب وتغيب وتغيب، وبعدها ليذهب تلامذتها الى الجحيم! وحساب السنوات الراحلة، مثل حساب السوق والصندوق، حيث لا يتطابقان أبداً، فالتاجر والموظف والطالب والصحفي والزوجة والحماة والزوج والعاشق والرياضي والمعلمة، جميعهم عاشوا سنة «نكداء» رغم انتصارات التاجر وفوز الزوجة بوجود أمها معها لسنة ضوئية، إلا ان السنوات ظلت كما هي في السابق. وحده المغني الكليبي (نسبة للفيديو كليب) حقق أحلامه وطبع أكثر من ألبومين دبيكين (نسبة للدبكة) وبقي لديه حلم صغير جداً أن يغني في فلسطين المحررة. بسيطة، لا يحتاج الأمر الى أكثر من سنة ضوئية واحدة.. فقط سنة واحدة!