الجمعة 23 شوال 1423 هـ الموافق 27 ديسمبر 2002 لعبة كبيرة في المنطقة، لا يتحرك في ساحتها سوى الاشباح التي جاءت من بعيد، من وراء البحار والصحاري والجبال وآلاف الاميال البرية، اللاعبون يتحركون بحرية تامة، والصهاينة الذين نصبوا سنارات الموت وحدهم يلعبون في الظلام الدامس، فيما المشهد العربي يبدو مرعبا بصمته وتفرجه وتفانيه في تطبيق ما تؤمر به مفرداته، مشهد كأن احدهم وضع اصبعه على زر التثبيت وراح يحركه بمزاجية عالية واسترخاء ما بعده استرخاء. بالنسبة لك كانسان عادي لا تملك الحول ولا القوة تحولك الرجاءات التي يقصفك بها قلبك في قفصك الصدري، الى كتلة من الهلام، تندلق على نفسك وتستسلم لحالة الاندلاق الحقيرة هذه، ترجو وتأمل ان تمر لعبة اللاعبين بسلام عليك وعلى اخوتك وعلى كل من تحب من بني البشر، لكن اللاعبين ليس بيدهم كرة مضرب صغيرة، ولا بين ارجلهم كرة قدم، ولا بين اصابع ايديهم قطع شطرنج او مكعب النرد. اللاعبون بأيديهم ما يحرق «الاخضر واليابس»، ما يرعب وما يعدم الاستقرار، ما يخلخل ويهدم، فلا تملك الا مراقبة المشهد ويداك تكتفانك بطواعية الخوف والقلق والحزن المر. تقول السيناريوهات المعلنة ان الاشباح «اللاعبون» سيدخلون من الشمال، ومن السماء، وقبلها قالت ان الاشباح ستدخل من الجنوب، ومن قعر الغرب، وقبل القبل كانت الجهة الشرقية اساس مسودة السيناريو الاول.. تقول وتفعل، تتحرك الاشباح في المشهد الثابت بحرية .. ترسم وتتحرك فالجهات الاربع وما بينهما بوابات بلا بوابين. الصهاينة على الطرف الاخر في منتصف ملعب اللعبة، وبحرية كاملة يتنقلون في المشهد الثابت بالنسبة لنا، المتحرك بالنسبة لهم، يقدمون لنا الخبر اليومي، كما نقدم نحن ولبعضنا البعض حالة الطقس اليومية، تنجز الصهيونية كل يوم قتل المقاومين، ويمر خبرهم في المشهد الثابت بالنسبة لنا المتحرك بالنسبة لهم، وكأنه لم يمر، او كأن الذي مات «فأر» مصاب بالطاعون، قتل مقاوم امس الاول، وقتل اخر امس، وسيقتل اليوم، وقبله الآلاف. هؤلاء الذين يموتون وهم يقاومون يحركون المشهد بموتهم في عيون الذين يريدون للمشهد العربي ان يتحرك، اما الذين وجدوا السكينة في رؤية هذا المشهد الدامي ثابتا، فانه لا يتحرك حتى ولو نسف بديناميت بحجم كوكب القمر. بين المشهد العربي المثبت زورا وبهتانا وبين المشهد العربي المتحرك في عيون المقتولين والمسحولين لا يوجد سوى رحمة الله التي لا يقنط منها العبد.. اللهم رحماك.. كل هذا الجور وهذا الهلع مرفوع اليك بالدعاء.. اللهم حرك المشهد المثبت في عيون المثبتين.. اللهم ثبت المشهد في عيون المحركين..