الجمعة 23 شوال 1423 هـ الموافق 27 ديسمبر 2002 بين الزمان والمكان اشكالية تشبه الاسطورة التي يصعب تفكيك رموزها، ولذلك يبقى جزء من الاسطورة عصياً على الفهم .. لا تبيح الاساطير كل مخزونها حتى لا تفقد ألقها، ومن هنا تنشأ الخرافة ويكون الغموض والتعلق بمجاهيل الحكاية .. الخرافة التي نسميها في لهجتنا الدارجة «الخروفة» التي امتلأت بها صناديق الذاكرة منذ عهد الامهات والجدات اللواتي تلون على أسماعنا وقلوبنا سفرا من الحكايات والعوالم والشخصيات. اذا كنتم من ذلك الجيل الذي رسم طفولته على جدران البيوت بطباشير (الصخام) وهو يقف على مشارف السبعينيات فلا شك ان الزمان والمكان قد تماهيا واختلطا في تلك الحكايات الخرافية التي شاعت عن «عزيز في البصرة يبيع ويشتري .. من طول الغيبات ياب الغنايم» وعن السمكة الساحرة التي استقرت في الذاكرة حتى اليوم باسم «البديحه» التي نسجت سردها من خيوط اسطورة السندريللا في الادب العالمي .. ان الزمان هلامي في كل الخراريف .. والمكان عصي على القياس وعلى ان يقبض بأصابع الكف واطراف الذاكرة. هناك لغز لا نعرف حله بيننا وبين الزمان الذي ذهب والمكان الذي كان، ليس في الخراريف والحكايات القديمة فقط ولكن في حياتنا حينما نغرق في سرديات الماضي بكل مفرداته الحميمة .. وحينما نمر على ما تبقى من ذلك الماضي متنقلين في تجاويفه التي لا تزال ماثلة ـ هذا اذا اسعدنا العمر وبقي شيء من اطلال الامس .. ان مجرد الوقوف على اثر من الماضي يدهشنا يسمرنا في مكاننا، يضع على شفاهنا ذلك السؤال حول صحة المقولة التي تؤكد ان الزمان يلتهم من المكان اجمل ما فيه، والأعجب حين نعرف أنه التهم جزءاً كبيراً من حيز المكان نفسه، وكأنه خبأه في تلافيف ذاكرة السنوات التي ذهبت ولن تعود ثانية! ألم يلاحظ عدد منكم ان بيوتهم التي نشأوا فيها صغاراً هي اصغر بكثير مما كانوا يتخيلونها، وأن المدرسة الكبيرة التي احتضنت احلامهم وشقاواتهم ليست بحجم قارة بل هي في الحقيقة قطعة ارض صغيرة جدا، وحتى بوابة المدرسة الضخمة التي كان يعبرها عشرات الطلاب دفعة واحدة ليست سوى باب صغير ليس إلا!! ما هو السر يا ترى؟! من سرق المكان؟ من سرق الآخر؟ الزمان أم المكان ام تحولات الايام؟ حارات اللهو القديمة ماثلة هناك في الداخل، شاخصة بمنازلها بوابات بيوتها القديمة المتداعية، بسكيكها التي كنا نظنها واسعة، فاذا نحن نفاجأ اليوم بأنها أضيق من ان يمشي فيها شخص واحد! كيف يحدث ان يلتهم الزمان أطراف المكان؟ جداتنا وامهاتنا يتكئن على ايمانهن ابدا ودائما ولذلك يجبن أن ذلك مصداق للاعجاز الإلهي «افلا يرون أنا نأتي الارض ننقصها من اطرافها». هل تتناقص الارض او المكان من اطرافه مع مرور الزمن؟ نعم يحدث هذا حقيقة وقد عشناه ورأيناه وصدمتنا الرؤية كثيرا فقيل لنا ايضا أن الصغار يرون المكان كبيرا في طفولتهم لأنهم صغار لكنهم بمرور الايام يكبرون، يتغيرون، تكبر مشاهداتهم ورؤاهم وعوالمهم الجديدة، لكن ذلك المكان الذي غادروه صغاراً لا يكبر ولا يتغير ـ يبقى على حاله: صغيرا ضيقا وربما لا يكون جميلاً او مريحاً كل الحكاية لخصها شاعر بقوله: فلا أنت التي كنت ولا الزمان هو الزمان بيني وبين حارات اللهو القديمة في فرجان ديرة القديمة عشق ليس يخفت، وعلاقة لا تفسر، وتوقد لا يهدأ لاستحضار الوثائق والتفاصيل .. بيني وبين حارات اللهو القديمة هوى يبيح دمع العين وخفق القلب . احب تلك الحارات ولا تفسير عندي ـ كما قال الشاعر ـ لصبوتي . افسر ماذا والهوى لا يفسر!!