الجمعة 23 شوال 1423 هـ الموافق 27 ديسمبر 2002 أمين معلوف واحد من أهم الروائيين العرب في هذا العصر، يكتب غالبا أعماله باللغة الفرنسية التي هاجر وانتمى إليها، ومنحته ما لم يعطه له وطنه في الاستقرار والتفرغ للإبداع، وحققت له شهرة عالمية لم يكن لينالها أو حتى يحلم بها في الوطن العربي، الذي كان فيه صحافيا طموحاً يبحث عن لقمة عيش مستقرة، وفرصة ولو صغيرة للإبداع والحلم، كما كتب عنه ذات مرة سمير عطالله. لو ظل في نطاق هذه البلدان وهذا الوطن لانتهى حاله مثل كل مبدع فيه، إما منتميا إلى عالم المحبطين، أو إلى عالم المنتظرين فرصة لن تأتي عنده أبداً! أمين معلوف الشرقي غلبت هذه الروح وهذا العشق الذي يسكنه في أكثر وأشهر أعماله الإبداعية التي كتبها. إنها من وحي ذلك العالم الذي عاش فيه وانتمى له وكبر في وجدانه وذاكرته تجدها في «سمرقند» و«ليون الأفريقي» و«صخرة طانيوس» وأحدث كتبه «الحروب الصليبية كما رآها العرب». في هذا العمل الفخم الذي قارب العامين وهو يشتغل عليه، قارئا وباحثا فيما كتبه العرب وغيرهم عن الحروب الصليبية. يقدم عملا مميزا فيه كثير من الجهد والإبداع. انه يكتب رواية متسلسلة الأحداث، كل تفاصيلها جاءت على ألسنة الكتاب والمؤرخين العرب. يقدم وصف هذه الحروب التي قضت على المجد والمد العربي والإسلامي كما كتبها وصورها الذين عايشوها أو نقلوا يومياتها وتفاصيلها وخطوها في دفاترهم القديمة بأقلام وقلوب تدمع أسى وحسرة. وعمل أمين معلوف هذا كتبه في المقام الأول للعالم الغربي فهو باللغة الفرنسية، وتولى الدكتور عفيف دمشقية الذي ترجم أشهر مؤلفات معلوف نقله إلى العربية. لكن هذا الكتاب: المرجع الرواية، ينبغي أن تقرأه الأمة وفي مثل هذا الزمن تحديدا. فهو منهم وعن تاريخهم، وجمعت مادته من كتب تاريخية يصعب على الأجيال الحالية فهمها واستيعابها. لغة معلوف وتسلسله في نقل أحداث هذه الحروب وربطه للروايات المختلفة واعادة تدوينها على شكل رواية تجعل القاريء مدركا ومشدودا لأحداثها وفصولها. ومن الدروس المهمة التي يمكن أن يستخلصها القاريء وهو يتوجع عندما يتابع التفاصيل وتوخزه أوصاف الراوي بالأحزان والألم لحال أجداده العرب والمسلمين وحجم الهوان والاذلال والقتل والدمار والخوف الذي يمارسه وأذاقهم اياه المستعمر، ويستشعر مدى التخلف والظلم الذي خلفه هؤلاء، وكيف حكموا على أعظم أمة في هذا الوجود ان تموت، وتنتهي سيطرتها وحكمها ونفوذها ومدها وثقافتها على العالم. من الدروس المستخلصة ان بلاء الأمة بدأ من الداخل قبل ان يحاصرها ويعذبها المغتصب، ففرقة الأمة قامت عندما اختلف حكامها وتغيرت قلوبهم وغابت الثقة فيما بينهم، وزادت مطامعهم الصغيرة والضعيفة في اطارها وأهدافها، وبدأ عصر المؤامرات والدسائس، وانتشار وتغذية الفتن والحروب التي اشعلوها فيما بينهم. دولة إسلامية تحارب جارتها الإسلامية الملاصقة، وخليفة أو أمير يحمل لواء الإسلام يقاتل أخاه أو ابن عمه أو ابنه الأمير المسلم حاكم الدولة المجاورة، فأي حال وصلوا إليه! قتلوا بعضهم من أجل الدنيا ومن أجل المطامع الشخصية ولأجل المحافظة على الشهوة وعلى كرسي الحكم. وعملوا أشد من ذلك في فترات مختلفة، وذلك عندما شارفت وبدأت الحملات الصليبية عند حصون الدولة الإسلامية، تآمر بعضهم مع (الشيطان) من أجل القضاء على حاكم الدولة الإسلامية الملاصقة لحدوده أو التي يخاف منها. خليفة مسلم يتعاون ويهادن عدوه ضد شقيقه ودينه! وغالى بعضهم في منح الاعداء العهود والمواثيق ووعدهم بمفاتيح القدس وغيرها واعطاهم الأمان والذهب في حال انتصارهم وقضائهم على خصمه! كل هذه التنازلات وكل هذا الهوان، وكل هذه الخيانة من أجل أن يبقى هو، ويضمنوا له عدم الاقتراب والمساس بحدود دولته العظمى. واستفاد العدو كثيرا من مثل هؤلاء، لقد اختصروا له الزمن ووفرا عليه كثيراً من الدماء والحروب وطريق الاحلام عنده اصبح سهلا وقريبا، فهذه الفرقة وهذه النزاعات حلت في قلب الأمة ومحور حكمها وقوتها: في بغداد والشام والقاهرة وفلسطين. انتصرت الصليبية بعد هزائم وانتكاسات بفضل المسلمين انفسهم او بالأحرى بسبب بعض الحكام والخلفاء الذين ابتليت بهم هذه الأمة. وكانت نهايتهم أشد مرارة، فما أن سيطر وانتصر المستعمر حتى التفت اليهم وسقاهم من ذات الكأس، فنكل بهم وشتتهم، وضاعت كراسيهم المذهبة وحكمهم ودويلاتهم، وبقي ذكرهم في صفحات التاريخ موسوما بالسواد والغدر والخيانة.