الجمعة 23 شوال 1423 هـ الموافق 27 ديسمبر 2002 على نحو فجائي تصاعدت اللهجة العدائية لقادة كوريا الشمالية ضد الولايات المتحدة إلى درجة التحدي السافر. وهذا هو أول صدى لنتيجة الانتخابات الرئاسية في كوريا الجنوبية الاسبوع الماضي. فقد اكتسح الانتخابات سياسي جنوبي عرف عنه تعاطفه مع الأشقاء في الشمال بقدر ما يعرف عنه من مشاعر عدائية تجاه الولايات المتحدة. فماذا نتوقع؟ الرئيس المنتخب في كوريا الجنوبية «روه موهيون» رئيس «حزب الألفية الديمقراطي» محامٍ اشتهر باهتمامه بقضايا حقوق الانسان. وتجتذب شخصيته الشعبية الاجيال الصاعدة من الشباب التي تعارض الوجود العسكري الاميركي على اراضي البلاد. وفي فوزه في المعركة الانتخابية فإن «روه» مدين بالدرجة الاولى لهذه الجماهير الشبابية. ولقد جرت المعركة الانتخابية على خلفية فوران جماهيري في الشارع معادٍ للولايات المتحدة، حيث خرجت سلسلة من المظاهرات الضخمة التي فجرتها حادثة مقتل طالبتين تحت عجلات عربة مصفحة اميركية.. وكأن المشاعر الجماهيرية المكتومة كانت في انتظار مبرر. كان داخل العربة المصفحة جنديان اميركيان مثلا أمام محكمة للجيش الأميركي في العاصمة الكورية سيئول، فبرأتهما المحكمة على اعتبار ان الحادث لم يكن مقصوداً. والغضب الشعبي الذي تفجر في الشارع الكوري لا يمكن تفهمه على وجهه الصحيح إذا لم نأخذ في الاعتبار ان للولايات المتحدة قواعد عسكرية وجوية في الارض الكورية الجنوبية بها إجمالاً نحو 37 ألف جندي. ولأن المطلب الجماهيري الرئيسي كان ـ ولايزال ـ هو تصفية الوجود الأميركي في كوريا الجنوبية، فإن هذا المطلب انعكس بالحتمية على المعركة الانتخابية، ولذا فإن فوز «روه» يجب ان ينظر إليه من خلال هذه الحقيقة. وربما يرى الرئيس الجديد انه ليس من الحكمة الدخول في مواجهة فورية ساخنة ضد الولايات المتحدة، لكنه قطعا سوف يطرح على واشنطن فتح تفاوض حول الوجود الاميركي. وفي كل الاحوال فان الرئيس «روه» قد يطلب من الادارة الاميركية كخطوة ابتدائية اعادة التفاوض حول بنود الاتفاقية الموقعه بين الدولتين حول امتيازات القوة العسكرية الاميركية. وفي هذا الصدد يدرك «روه» أن على رأس المطالب التي تتبناها عناصر قيادية في حزبه تعديل ذلك البند الذي ينص على ان المخالفات القانونية التي قد يرتكبها الجنود الاميركيون يجب ألا تتولى امر التحقيق فيها واجراءاتها القضائية سوى القوة العسكرية الاميركية.. بمعنى ان الجنود الاميركيين لا يخضعون للقانون الكوري. ووفقاً لاستطلاعات الرأي فإن الشارع الكوري يرى ان الجندييين الاميركيين اللذين ارتكبا حادثة دهس الفتاتين الكوريتين كان ينبغي ان يقوما الى محكمة جنائيه كورية.. وثانيا ان يقدم الرئيس بوش اعتذاراً علنياً عن الحادثة. ولكن المعركة الانتخابية لم تقتصر على قضايا الشأن الداخلي. فأهم محاور المعركة كان يتصل بأمر مستقبل علاقات كوريا الجنوبية مع كوريا الشمالية. وفي هذا السياق كان الفارق واضحا بين طرح كل من مرشحي الرئاسة.. علماً بأن المرشح الثاني كان الرئيس الحاكم «لي هوي شانغ» زعيم «الحزب القومي الكبير». لقد ظلت سياسة الرئيس «لي» متطابقة الى حد كبير مع استراتيجية الولايات المتحدة نحو كوريا الشمالية. فهو يعارض بشدة إمداد الشمال بأي مساعدات مالية طالما ظلت كوريا الشمالية متمسكة ببرنامجها النووي. وعلى الجانب الآخر فإن منافسه «روه» يؤيد استمرار المعونات إلى كوريا الشمالية والتعامل معها بأساليب الدبلوماسية الهادئة بعيداً عن اي استفزاز. فوز «روه» إذن يفسر لنا موجة التصعيد الكلامي الصادر عن قادة كوريا الشمالية ضد الولايات المتحدة هذا الاسبوع. فقد توعد وزير الدفاع «كيم إيل شول» الولايات المتحدة «بعقاب بلا رحمة» في حال اندلاع حرب نووية. ولاشك انه يشير بذلك الى البرنامج النووي الكوري المدعوم بصواريخ عابرة للقارات. ولا يمكن القول بأنه تهديد فارغ.. فقد سبقت السلطات الكورية الشمالية هذا الاعلان التحذيري بإعادة تشغيل مفاعلاتها ومصانعها النووية بعد توقف مؤقت. ان من المعلوم ان الولايات المتحدة تتحاشى الدخول في اشتباك عسكري مع كوريا الشمالية انطلاقا من تخوفها على مصير37 ألف جندي في الجنوب. والآن لابد أن تكون واشنطن أشد تخوفاً في ضوء التذمر الشعبي في كوريا الجنوبية نفسها ضد الوجود العسكري الاميركي. ولاشك ان قادة الشمال يدركون حساسية الوضع الاميركي في ضوء فوران الشارع الجنوبي.. ومن ثم كان التصعيد والتحدي. ومن المثير ان نراقب لنرى ما تأتي به الأيام.