الجمعة 23 شوال 1423 هـ الموافق 27 ديسمبر 2002 قبل اشهر معدودة شهدت إسرائيل انعقاد مؤتمر «قيسارية» الاقتصادي وفي هذا الشهر شهدت انعقاد مؤتمر «هرتسليا» السنوي وهو الثالث من نوعه، وفي الحقيقة فإن إسرائيل ما تلبث أن تنهي مؤتمرا حتى تبدأ بعقد مؤتمر آخر، وهي في ذلك تعكس اهتمامها بالبحث العلمي وحرصها على الاستماع إلى وجهات نظر الباحثين في الشئون الاستراتيجية: السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية. ولكن ما يجب الانتباه إليه أيضا أن هذا الشغف الإسرائيلي في تنظيم المؤتمرات المعنية بالأبحاث المختصة باستشراف المستقبل يعكس أيضا قلقا مزمنا يعشعش في أذهان النخب الإسرائيلية التي ترى انسداد الآفاق أمام استمرار المشروع الصهيوني في المنطقة العربية على المدى البعيد، إن بسبب تناقضاته الداخلية أو بسبب انعدام فرص تعايشه مع المحيط العربي، وذلك على رغم مظاهر القوة والجبروت والتفوق التي يتمتع بها الكيان الصهيوني في هذه المرحلة. وتأكيدا على ما ذهبنا إليه يقول المحلل الإسرائيلي مئير شتجليتس، في مقال نشره «يوم 15/12» في صحيفة يديعوت أحرونوت: «الرعب من «خراب البيت الثالث» لم يكف عن إسرائيل منذ قيامها. ففترة الانتظار قبل حرب الأيام الستة، والأيام الأولى من حرب يوم الغفران، والفزع في حرب الخليج، هي علامات على الطريق عن الصدمة القومية. وما يجري منذ الحادي عشر من سبتمبر يندرج في هذا الشأن خطر الانقراض القومي يحدق من كل صوب..إسرائيل اليوم هي دولة يوجه الفهم اليميني الأصولي سيرها في التاريخ، دولة تعيش حالة صدام لا هوادة فيها مع جيرانها، خائفة من خطر الإبادة القومية وتلوح بقدرتها على التدمير الإقليمي، على أقل تقدير. وإذا لم نستفق، فان خيارنا التاريخي سيكون بين «خيار هورودوس «الاستناد إلى القوة العظمى العالمية» و «خيار شمشون». وهذان ليسا خيارين للمدى البعيد. نقص المناعة وعودة إلى موضوعنا فقد شهدت الساحة الإسرائيلية خلال الأسبوع الأول من شهر ديسمبر انعقاد مؤتمر «هرتسليا» حول: «ميزان المناعة والأمن القومي» لإسرائيل، وهو الثالث من نوعه الذي ينظمه «المركز متعدد المجالات» في هرتسليا بمبادرة من عوزي أراد رئيس معهد السياسة والاستراتيجية في المركز، وهو من المسئولين السابقين في الموساد «على مدى 25 عاما» وكان ولا يزال مستشارا سياسيا لبنيامين نتانياهو رئيس الحكومة الإسرائيلية الأسبق. وكالعادة فقد شارك في فعاليات المؤتمر أركان الحكومة الإسرائيلية وخبراء إسرائيليون وأجانب، في السياسة والاقتصاد والأمن، ومع ذلك فإن هذا المؤتمر لم يأخذ حظه من الاهتمام المناسب في وسائل الإعلام بسبب تداعيات المعركة الانتخابية والتجاذبات السياسية والحزبية المحتدمة بين التيارات الإسرائيلية. ويجدر بنا قبل استعراض الموضوعات التي ناقشها المؤتمر الثالث إعطاء فكرة موجزة عن المؤتمرين السابقين، فالمؤتمر الأول عقد في شهر ديسمبر 2000، أي بعد اندلاع الانتفاضة الفلسطينية، وتمحورت مناقشاته حول ما يسمى «الخطر الديمغرافي الفلسطيني»، وتنشيط الهجرة اليهودية، والاهتمام بالتربية والتعليم «بالتركيز على مبادئ اليهودية والصهيونية»، ورفع مستوى البحث التكنولوجي، وفي مجال الأمن شدّد المؤتمر على انتهاج استراتيجية الردع وليس الدفاع فقط. أما في المجال السياسي فقد اعتبر المؤتمر أن عملية التسوية التي انطلقت مطلع التسعينيات من مؤتمر مدريد استنفدت نفسها والمطلوب هندسة تصميم جديد لتنسيق عمليات التفاوض المستقبلية، عبر التنسيق مع الولايات المتحدة وأوروبا، بالتوجه نحو إطار متعدد الأطراف للمفاوضات، أو عبر مسارات ثنائية الأطراف، على أن تكون عملية التسوية مدروسة وقابلة للتطبيق وتدريجية. أما المؤتمر الثاني، فقد عقد في الفترة من 16 ـ 18 ديسمبر 2001 ، أي في مناخات الحرب الأميركية ضد الإرهاب «بعد أحداث 11 سبتمبر»، ولذلك تم توظيف هذا الحدث في خدمة السياسة الإسرائيلية في مواجهة الشعب الفلسطيني ومقاومته المسلحة. ورأى المؤتمر أن أهداف الحرب ضد الإرهاب وقيمها تزيد في قوة إسرائيل على المستوى الاستراتيجي، وتغير لمصلحتها ميزان القوى الإقليمي، كما تساعدها على مواجهة التهديدات الاستراتيجية التي تتعرض لها إن في مواجهتها للفلسطينيين أو في مواجهة تهديدات دول الجوار أو الدول البعيدة «العراق وإيران» كما أنها تعزز الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة. وأشار المؤتمر إلى أن إسرائيل تواجه ثلاث رزم من التحديات: الرزمة الفلسطينية، وتتمثل بتحديات الانتفاضة والمفاوضات، ورزمة التهديدات الاستراتيجية المباشرة والطويلة المدى والبحث عن رد عليها، رزمة العولمة والطريقة الملائمة للاندماج فيها، مع الحفاظ على خصوصيتها. أما بالنسبة للمؤتمر الثالث، وهو موضوع حديثنا، فقد عقد في الأسبوع الأول من الشهر الجاري، وحضره أرييل شارون رئيس الوزراء ووزيرا الخارجية والدفاع «نتانياهو وموفاز» ورؤساء أركان الجيش والموساد والأجهزة الأمنية وخبراء إسرائيليون وأميركيون وروس وأتراك. وقد ناقش المشاركون التهديدات التي تواجهها إسرائيل من مثل: التهديد الإسلامي، وتداعيات الحرب الأميركية المبيتة ضد العراق، والمواجهات مع الفلسطينيين، وانتشار أسلحة الدمار الشامل، كما تم تدارس الاستعدادات الإسرائيلية لمواجهتها؛ كذلك توقف المؤتمر بشكل خاص عند أوضاع الجبهة الداخلية، من منظور: «ميزان المناعة والأمن القومي»، وفق «مقاييس هرتسليا» وهي مقاييس اجتماعية واقتصادية وعسكرية تقارن بين إسرائيل والدول المتطورة والدول المحيطة؛ ومعطيات العينة تدور حول العقد الأخير وحدد العام 1990 كسنة انطلاق أساسية. تآكل مستمر وإذا كانت مواقف إسرائيل معروفة في التحريض على الحرب ضد العراق والحرص على المساواة بين الإرهاب والمقاومة ضد الاحتلال والاهتمام بنزع أسلحة الدمار الشامل ووضع نفسها في خدمة السياسة الأميركية بما يتعلق بهذه المواضيع، فإن ما يلفت الانتباه في المؤتمر، بشكل خاص، تلك الاستنتاجات المتمثلة بتآكل أوضاع إسرائيل «اقتصاديا وأمنيا وسياسيا» فالمؤشرات التي تم طرحها أفادت أنه ثمة تقلص في الفجوة في المقاييس الاقتصادية بين إسرائيل والعالم العربي، في العامين الماضيين، على خلفية الانتفاضة والأزمة الدولية في صناعات التكنولوجيا المتطورة والركود في الاقتصاد العالمي، ما أدى إلى ابتعاد إسرائيل عن الدول الغربية المتطورة؛ بعد أن كانت هذه الفجوة، طوال عقد التسعينيات، تتجه نحو الاتساع مع العالم العربي والتقلص مع الغرب. وبحسب معايير مؤتمر هرتسليا، فالوضع ليس افضل حالا من الناحية السياسية، فإسرائيل ليست متفوقة هنا أيضا: رئيس حكومتها قتل، الوضع السياسي غير مستقر، والحكومات تنهار بسرعة ليتم تقديم موعد الانتخابات؛ أضف إلى ذلك ظهور فساد لا علاج له وإدارة مالية رديئة للجمعيات. اللافت للانتباه أيضا أن إسرائيل باتت تشعر بوطأة التهديدات الموجهة إليها، برغم من تمتعها بالتفوق العسكري واستنادها إلى ضمان الولايات المتحدة الأميركية، إذ ركز المؤتمر مناقشاته على التهديدات التي تواجهها إسرائيل حيث حذر رئيس الأركان الإسرائيلي موشيه يعلون من أن المواجهة مع الفلسطينيين تنطوي على إمكانية التدهور الإقليمي، السياسي والعسكري لدرجة ضعضعة الأساس لاتفاقات السلام مع مصر والأردن. وبرأي يعلون فثمة أربع دوائر خطر:«الإرهاب في الساحة الفلسطينية؛ خطر الاشتعال في الشمال «لبنان وسوريا» ؛ «الدائرة البعيدة» العراق وإيران ومؤخرا، أضيفت دائرة تهديد أخرى: الإرهاب عابر الحدود بلا عنوان وعديم الهوية والرعاية السياسية». استباق الخطر وفي مواجهة هذه التهديدات اعترف اللواء يديديا يعاري، قائد سلاح البحرية الإسرائيلية، في مداخلته أن «لإسرائيل مصاعب في التصدي لتهديدات لا تتضمن قتالا في الجو وفي البر، وذلك لان مفهومها الأمني يقوم على أساس القوة في هاتين الساحتين».. مضيفا في لهجة تحريضية ضد العراق وإيران «التهديد هو من جانب دول «الدائرة البعيدة..ونحن نقترب من حد انعدام نجاعتنا. من وسط العراق ومن شرقها لا يمكن للطائرة أن تعمل..لا يمكن العمل على مسافة بعيدة دون استغلال الوساطة البحرية. ومن لا يعترف بذلك، فان لديه مشكلة في فهم ما يقرأ. ولكن ما لم يقله يعاري، قاله اللواء «احتياط» ايتان بن الياهو، قائد سلاح الجو الإسرائيلي السابق: «ستكون هناك حاجة ماسة لتوسيع قدرة سلاح البحرية كمنصة عمل للمسافات الطويلة، ولا سيما كرد الضربة الثانية». على أية حال فإنه وبغض النظر عن التوظيفات التي تتوخاها إسرائيل من وراء عقد هذه المؤتمرات والنتائج التي تتمخض عنها فإنه ثمة اهتمام كبير بالبحث العلمي وبدراسات المستقبل في إسرائيل على المستويين الحكومي وغير الحكومي، وإسرائيل تعد من الدول التي تخصص نسبا عالية من ميزانيتها للصرف على البحث العلمي بحدود 2.7 بالمئة، لا سيما إذا علمنا أن ميزانيتها السنوية تراوح بين 60 ـ 65 مليار دولار. وفي المقابل فإن الصرف على البحث العلمي ودراسات المستقبل في الأقطار العربية هو أدنى من ذلك بكثير «حوالي 1 بالألف» بالرغم من حاجة هذه الأقطار الماسة إلى مثل هذه المؤتمرات لبحث الواقع العربي واستشراف مستقبله من كل النواحي السياسية والاقتصادية والأمنية والاجتماعية. ـ كاتب فلسطيني