الجمعة 23 شوال 1423 هـ الموافق 27 ديسمبر 2002 العالم العربي في هذه المرحلة مأخوذ بسلسلة كبيرة من القضايا التي يبحث فيها عن حل، ففي كل مجتمع عربي هناك الهم المحلي وهناك الهم الاقليمي وهناك البعد القطري وهناك الابعاد القومية، وهناك دور الدين وهناك دور الفرد. العالم العربي من أقصاه إلى أقصاه يعيش هم التنمية دون نجاح، ويعيش هم التاريخ دون واقعية، ويعيش هم الدين دون ان يأخذه نحو الوسطية، ويعيش هم التعليم بينما المؤسسات تتآكل، بل يعيش العرب هم القضية الفلسطينية بينما تتواجه القضية وشعبها مع أصعب مرحلة منذ عشرات السنين. الهم الأكبر في كل صغيرة وكبيرة هو عدم مقدرة العالم العربي على تأمين الحلول لهذه المسائل أكانت حقيقية أم مضخمة، واقعية أم شكلية، بل ان الهم الأكبر هو الانغماس بحالة من الجمود التي لا حدود لها، ورغم محاولات الخروج من الجمود العربي إلا انها ما زالت دون التأثير وما زالت لا تحظى بثقة المجتمعات العربية التي فقدت ثقتها بالاوضاع القائمة. الحالة العربية الآن تعيش اخطر مراحلها، والاخطر ان تشعر أمة أنها ولدت لتهزم وولدت لتخسر وولدت لتكتشف ان حساباتها تنتهي في معظم الاحيان إلى سلسلة من الأخطاء، الأمة العربية تعيش منذ عقود حالة الهزيمة حول كل شعار رفعته وكل قضية تبنتها وكل محاولة سعت إليها. فهل الخطأ في القضايا التي تبنتها الأمة، أم في القادة الذين حركوا الأمة، أم في الوسائل المتبعة من قبل الأمة، أم في الظروف القاهرة أم في سوء التقدير أم سوء القراءة، أم ضعف طرق التفكير أم خليط من كل هذا؟ ولو دققنا في الوضع العربي لوجدنا قدرات كثيرة مهدورة، ولوجدنا طاقات عظيمة بلا استغلال حقيقي، ولوجدنا امكانيات بلا مؤسسات ولوجدنا مؤسسات بلا قيادات بناءة، الحالة العربية مليئة بالمتعلمين والقادرين ومليئة بالمثقفين والمفكرين ومليئة بالتنوع والخبرات، ولكنها قلما توجه هذه الطاقات بالاتجاه الصائب والسليم. ان بعث فسحة من الأمل في الواقع العربي المقبل هو المطلوب في هذه المرحلة، بل المطلوب التأكيد على مقدرة العرب على التعامل مع التحديات التي تواجههم ببعض الواقعية وببعض الجدية والصراحة، لكن بناء فسحة الأمل وسط افاق الحرب ووسط الركام القادم لن يكون أمراً سهلاً، بل من الاسهل ان تغوص الأمة بحالة من الألم والشعور بالاحباط والشعور بالهزيمة الذي كثيراً ما ساد عوالم العرب منذ أوائل القرن الماضي حتى اليوم. لهذا فالسؤال أمامنا: كيف ننجح في التعامل مع الوضع العربي القادم والراهن بروحية عملية تساعد على الخروج من حالة الضيق التي تكتنف الآن معظم العرب؟ بل ربما نستطيع ان نقول بأنه آن الأوان لتستعيد الأمة ذاتها من خلال اعادة قراءة تاريخها، واعادة تفسير حالها واعادة بناء قدراتها على أسس واقعية وحقيقية وصادقة، بل آن الأوان لتبدأ الأمة مسيرة تبتعد عن التلاسن اللفظي والقول الشكلي لصالح المضمون الصادق المبني على أسس الواقع. وقد لانجد مدخلاً طبيعياً لاستعادة الذات إلا من خلال الاعتراف بأن واقعنا بحاجة إلى اصلاح حقيقي، وان مجتمعاتنا بحاجة إلى تغيرات في أساليب نظم الحكم وفي المناخ الثقافي والسياسي للمجتمع. الاعتراف بالخطأ وبالاعتراف بأننا جنحنا نحو الاتجاه الخاطئ هو المدخل أولاً للقاء القوى والأفراد والشخصيات وجميع المهتمين في الشأن العام، الاعتراف بالاهمال الكبير الذي ساد حياتنا السياسية، والاعتراف بأننا لم نأخذ مستقبلنا على محمل الجد هو الآخر مدخل أساسي. كما ان الاعتراف بأننا تخصصنا في سوء التقدير: لم نقدر ما كان سيقع عام 1948 إلا بعد ان دفعنا الثمن، ولم نقدر ما كان سيقع عام 1967، ثم عام 1982 في لبنان، ثم عام 1990 وعام 1991 وأخيراً أحداث 11 سبتمبر 2001، بل لم نقدر جيداً معنى الحروب الأهلية التي مرت بها الكثير من مجتمعاتنا، ولم نقدر أثر الديكتاتورية وغياب الديمقراطية في بلادنا. ان الاعتراف بهذه الاشكاليات وبحجم مضمونها، ثم السعي لبناء ادارات ونظم وسياسات تقوم أساساً على علم وكفاءة وديمقراطية، هو المدخل للمرحلة المقبلة. ـ أستاذ العلوم السياسية ـ جامعة الكويت