الجمعة 23 شوال 1423 هـ الموافق 27 ديسمبر 2002 العملة الوطنية لأي دولة لا تكون لها قيمتها فقط من قوة الاقتصاد الذي يقف من ورائها، أو الغطاء الذي يحميها في مواجهة العملات الأخرى، بل تعتمد قيمتها أيضا على مدى قبول الشعب للنظام القائم وقت اصدار هذه العملة، والطبقة السياسية التي يمثلها هذا النظام. من هنا نجد أن أي عملة وطنية تتفاوت قيمتها من وقت لآخر، صعودا وهبوطا في مواجهة العملات الأجنبية، وما حدث قبل عام مع العملة الوطنية الأرجنتينية «البيزو» يعتبر مثالا، وبالتحديد في العشرين من ديسمبر من العام الماضي. فبعد أن كانت في ظل رئاسة كارلوس منعم توازي الدولار الاميركي تمهيدا للتضحية بها من اجل «سواد عيون» واشنطن، فقدت هذه العملة فجأة مكانتها في الأسواق من بيزو يساوي دولاراً اميركياً الى دولار اميركي يتربع على عرش التعامل وبيزو أرجنتيني لا قيمة له، مما شق هوة بين الشعب والطبقة السياسية وصلت الى حد الطلاق. هذا المثال فتح منذ العام الماضي الطريق أمام العديد من الأسئلة المطروحة على طاولات المحللين والمراقبين لتلك الحالة الفريدة التي انتهت اليها البلاد حكومة ودولة وشعبا. بعض تلك الأسئلة يمكن الاجابة عنها من خلال متابعة تلك الأحداث، والسير معها خطوة بخطوة، ولكن هناك أسئلة أخرى لا تجد اجابة، أو لا يمكن لأي متخصص في أي مجال من مجالات التحليل أن يحصل على اجابة عنها، حتى تحول الوضع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي في البلاد الى ما يشبه الحالة المرضية التي أصبحت تعرف في القاموس الاعلامي باسم «الحالة الأرجنتينية»، وتناولتها معظم المهن المختصة في محاولة لفهمها والتكهن بما قد تتحول اليه في المستقبل. حالة مستعصية دخلت «الحالة الأرجنتينية» الى غرف الانعاش الطبي بكافة أنواعه، بل وقام العديد من المختصين بالطب النفسي بوضع هذه الحالة تحت المراقبة النفسية، لأن الكثير مما جرى خلال الأيام العشرة التي استمرت فيها المظاهرات في الشوارع، من 20 ديسمبر 2002 الى 2 يناير 2003، وما أعقبها من مواجهة دموية مع رجال الأمن جاءت نتائجه بعكس كل التوقعات، تلك المواجهة التي انتهت بمصرع ثلاثين مواطنا كانوا يمارسون حقهم الديمقراطي في التعبير عن رأيهم في الحكومة والسياسيين، واكثر من خمسمئة من الجرحى، فيما غصت السجون ومعسكرات البوليس بالمعتقلين. ولم تتوقف حتى بعد أن شاهد المتظاهرون رئيس البلاد المنتخب قبل اشهر قليلة «فرناندو دي لا روا» يغادر قصر الرئاسة على متن طائرة هليوكوبتر، لأنه لا يجرؤ على الخروج بعربته المصفحة بعد أن اصبح مطلوبا من الجماهير نفسها التي منحته ثقتها قبل اشهر قليلة، ليس بمفرده بل ومعه كل الطبقة السياسية من الحكومة والمعارضة معا. كل هذا تحول مع الوقت الى روتين يومي غريب استكانت اليه الجماهير وطبعت حياتها للتوافق مع عملية البحث عن القوت اليومي مع عمليات التظاهر اليومية ضد الحكومة وقرارتها. المشكلة الحقيقية المطروحة أمام الجميع الآن انه بعد عام من الانتفاضة الشعبية ضد الطبقة السياسية الحاكمة في الأرجنتين وخروج الجماهير رافعة شعار «فليذهبوا جميعا»، يبدو أن كل شيء يجري على النحو الذي كانت تجري عليه الحياة قبل العشرين من ديسمبر من العام الماضي، وكأن شيئا لم يحدث، وكأن الشعار الجماهيري انقلب على نفسه وأصبح «فليبق الجميع في مكانه». وتواصل الجماهير المحتجة التظاهر اليومي ودق الأواني احتجاجا ضد الحكومة التي لا تعرف كيف تعالج الأزمة، وفي الوقت نفسه انكفأت على نفسها بحثا عن حل لمشاكلها في اطار حالة الفقر التي طالت معظم الطبقة المتوسطة، التي اختفت من التصنيف الاجتماعي تماما وتحولت الى طبقة فقيرة انضمت الى من كانوا يبحثون في القمامة عن قوت يومهم، حتى اصبح ما يزيد على نصف المجتمع الأرجنتيني يعيش على مطاعم الصدقة التي يسمونها «الحلة الشعبية»، يتم تجميع مواد وجباتها من الصدقة التي يقدمها البعض من القادرين بكميات قليلة، أو حتى من تلك المواد الغذائية التي يتم الاستيلاء عليها من المخازن التجارية خلال المظاهرات العنيفة التي يتحول فيها جمهور المظاهرة الى السلب والنهب في مواجهة رصاص البوليس الذي تحول بدوره خلال الأشهر الأخيرة الى ارتكاب أعمال اللصوصية بما يفوق ما يرتكبه اللصوص المحترفون المدعومون بالفقراء الذين اتخذوا من النهب والسلب مهنة وطريقا وحيدا للحصول على قوتهم اليوم. استشراء الفساد من ناحية أخرى نجد الطبقة السياسية لا تزال على حالها تعيش في فساد يزكم الأنوف، وكأن شيئا لم يحدث في البلاد منذ العشرين من ديسمبر الماضي، بل ويساوم السياسيون الحكومة على قراراتها مهما كانت توجهات تلك القرارات، فلكل قرار اذا أراد الرئيس تمريره ثمنا يدفعه من خزائن البلاد الخاوية في شكل رشاوى لأعضاء مجلسي البرلمان والشيوخ، والرئيس الحالي يعرف أن هذه الرشاوى ضريبة يجب أن يدفعها، لأنه لا يتمتع بشرعية دستورية يستند اليها، فهو لم يكن منتخبا من أحد، بل اختاره أعضاء البرلمان الذين يبتزونه في كل قرار يراه للخروج من الأزمة الاقتصادية التي تطحن البلاد، فكانت النتيجة مزيدا من الديون والدمار الشامل للاقتصاد الوطني الذي فقد قاعدته بعد أن قرر رجل الأعمال أيضا الاستمرار في حالة الفساد وتهريب الأموال الى الخارج التي كانت جزءا أساسيا من أسباب الأزمة الاقتصادية. الأمر نفسه يحدث في السلطة القضائية التي وصل قضاتها الى مناصبهم، عدا استثناءات قليلة ونادرة، الى مناصبهم من خلال الرشوة المالية أحيانا والسياسية أحيانا أخرى، حتى فقد الناس ثقتهم في القضاة والقضاء والقانون. ثم أثبتت قضية الفساد المتهمة فيها السيدة «ارنستا هيريرا دي نوبلي» التي تمتلك مؤسسة «كلارين»، أكبر مؤسسة اعلامية في البلاد أن الاعلام أيضا غارق في فساد النظام، وانه كان طرفا نشطا في الانقلاب العسكري الذي وقع خلال السبعينات وعاشت معه الأرجنتين أسوأ حالة انتهت بعشرات الآلاف من المفقودين. فيما دخل صندوق النقد الدولي في تلك المعادلة المعقدة ليزيد من حدة الأزمة بدلا من تخفيفها، حتى أصبحت المفاوضات بين الحكومة الأرجنتينية وممثلي الصندوق الى مسلسل تليفزيوني رديء للغاية، فقد تم خلال الأشهر العشرة الأخيرة الاعلان عن التوصل الى اتفاق مقبول من الطرفين، يسمح للأرجنتين بالحصول على معونة عاجلة لانقاذ ما يمكن انقاذه في اقتصادها مقابل تنفيذ الشروط التي يفرضها الصندوق مقابل الموافقة على تقديم قروض جديدة، والتي تؤكد كالعادة على خفض الخدمات التي تحصل عليها الطبقات المطحونة، وهي خدمات أصبحت معدومة أصلا في الحالة الأرجنتينية، حتى اصبح المحللون يتساءلون عن ماهية الشروط والمطالب التي يمكن أن يفرضها صندوق النقد الدولي على الحكومة الأرجنتينية للموافقة على تقديم قروض لها، بعد أن اختفت الدولة تماما من مجالات الصحة والتعليم والمساعدات الاجتماعية. ومع ذلك فان هذا المسلسل الرديء مستمر، ويتم الاعلان كل أسبوع عن التوصل الى اتفاق يمنح الأمل للجماهير في انفراجة ولو صغيرة، وقبل مرور ساعات قليلة يتم الاعلان عن فشل المفاوضات بين الجانبين، حتى اصبح الكثير من المراقبين يشكون في أن تكون في نية صندوق النقد الدولي تقديم شئ للحكومة الأرجنتينية، لأنه لم تعد هناك شروط يمكنه أن يفرضها، بعد أن أصبحت شروطه السابقة لا قيمة لها ولا تأثير لها على فقراء البلاد الذين فقدوا كل شئ. الأخطر في الحالة الأرجنتينية أن السياسيين الذين تسببوا في الأزمة، التي أطاحت باقتصاد كان يعتبر من أقوى اقتصادات أمريكا اللاتينية، عادوا من جديد الى الظهور على الساحة وكأنهم المنقذون للبلاد الذين لا غنى عنهم، فقد اثبت استطلاع للرأي أن الرئيس السابق كارلوس منعم، الذي تربع على كرسي الرئاسة طوال سنوات التسعينيات العشر، والتي نشأت خلالها بذرة الفساد الاقتصادي الكبرى التي آلت بالبلاد الى ما آلت اليه، يعتبر أقوى المرشحين للانتخابات المقبلة التي من المنتظر اجراؤها في الربيع المقبل «؟!». أزمة الشرعية اذا كانت شخصية الرئيس السابق قد جسدت الفساد في السابق بكل معانيه، فان عودتها من جديد الى الساحة السياسية تعني أن الفساد تسلل حتى الى الجماهير نفسها التي تقف عارية في الهواء. ويرجع المراقبون هذه الحالة الى أن الفساد تغلغل داخل المؤسسات الاجتماعية الأرجنتينية واصبح يمثل جزءا من النسيج الاجتماعي، ويعتمدون في تحليلهم على مؤشرات مادية ملموسة: الطبقات الشعبية كانت تحتفظ بمعظم أموالها في بيوتها مما جعلها قادرة على المرور خلال الأزمة بصعوبات أقل، لأن ما كان لديها في البنوك المتسببة في الأزمة المالية أقل من الأموال المتداولة بين أيدي المتعاملين، وفي الوقت نفسه فان معظم الشعب الأرجنتيني يتهرب من دفع الضرائب من خلال التحايل على القوانين والسلطات، أو ببساطة باستغلال الفساد الاداري، أي أن الفساد له فوائده أيضا. أما المؤسسات الاجتماعية الأخرى كالنقابات فانها غارقة في فسادها الداخلي، زعماء تلك النقابات لم يتحركوا من أماكنهم منذ اكثر من ثلاثين عاما، وثبت أنهم تعايشوا مع الدكتاتورية العسكرية في السبعينيات، وبعدها دربوا أنفسهم على التعامل مع الحكومات الديمقراطية المتعاقبة، فكانوا قططها الأليفة مقابل الاحتفاظ بامتيازاتهم. الأحزاب الأخرى الصغيرة، وبشكل خاص اليسارية التي كان يمكنها أن تلعب دورا في ادارة الأزمة الاقتصادية، وانتهاز الفرصة لتحقيق وجود حقيقي لها على الساحة السياسية كبدائل للحزبين الكبيرين اللذين أغرقا البلاد في الفساد، غارقة هي الأخرى في صراعات داخلية أصابتها بقصر النظر فلم تعد ترى الفرصة السانحة لها، وتخلت عن دورها الجماهيري. الأزمة الأرجنتينية أزمة عامة تشمل كافة فئات المجتمع، وان كانت الطبقة السياسية الحالية مسئولة أولا عنها، أو كما يقول عميد كلية الحقوق بجامعة بوينس ايريس أن أزمة بلاده في اصلها أزمة «شرعية عامة»، فلا الطبقة السياسية مستعدة للتخلي عن امتيازاتها، ولا رجال الأعمال مستعدون للتخلي عن تحقيق مكاسب فلكية بلا حساب، ولا زعماء النقابات مستعدون للاساءة الى علاقاتهم مع الحكم حفاظا على امتيازاتهم، ولا الجيش مستعد للعودة الى لعب دور سياسي أساء في الماضي الى شرفه. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا