الجمعة 23 شوال 1423 هـ الموافق 27 ديسمبر 2002 قدمنا لكم فيما مضى فكرة مختصرة عن المشروع العملاق الذي اعلنت عنه اليابان في عام 1981 واسمته (حاسوب الجيل الخامس) بهدف صناعة جيل حاسوبي بمواصفات مناسبة عالمية لم تصل اليها بعد الشركات المنافسة مما جعل من ذلك المشروع يبدو وكأنه التحدي الاكبر الذي ستحقق به اليابان قفزة نوعية على منافسيها في هذا المجال. وكنا قد عرضنا لردود الفعل المباشرة والسريعة للاتحاد السوفييتي والمجموعة الاوروبية، والولايات المتحدة تجاه المبادرة اليابانية، ودخولهم الى الميدان بثقل يتناسب مع حجم التحدي القادم من الشرق. وحتى نقترب اكثر من فهم المناخ العلمي الذي يتوفر لذلك النوع من المشاريع المهمة، ويقدم لها الدعم القادر على تحويلها من الحلم الى الواقع، علينا ان نذكر بان اليابان لم تلق بثقلها السياسي خلف هذا المشروع الكبير كي تضمن له الاستمرارية والنمو. ولم تقتطع شيئا من الميزانيات المخصصة لمصارف الدولة الاخرى من اجل تحقيق النقلة النوعية التي تراهن عليها. كما انها لم تحشد المليارات في سبيل تطبيق ذلك الهدف الكبير!! كلا.. لم يحدث شيء من ذلك على الاطلاق!! رغم ان المتحمسين منا الذين يبالغون بوضع شروط تعجيزية لتمويل الابحاث العلمية سوف يجزمون بان اليابان لم تبخل بالاموال الطائلة من اجل تطوير برامجها العلمية. وهو جزم خاطيء واعتقاد تكذبه الوقائع والحقائق. اذ لم تتجاوز التكلفة الاجمالية لمشروع الجيل الخامس الـ 450 مليون دولار فقط. وهذا الرقم يوازي انفاق شركة اي.بي.ام. الاميركية في ثمانين يوما فقط!! اما فريق العمل الذي اشرف على صناعة الجيل الخامس فهم حفنة من المبرمجين الصغار الذين اسموهم (الساموراي الاربعين) يقودهم شخص واحد متوسط العمر اسمه الدكتور (فوتشي). وبمثل هذه الموازنات المالية المحدودة، وبهذه الهيئة العلمية التي اسماها اليابانيون انفسهم (حفنة من المبرمجين الصغار) امكن لليابان ان تحقق المزيد من طفراتها العلمية. والسؤال المنطقي الذي يطرح نفسه لماذا لم تعلن اليابان حالة الاستنفار الشعبي والرسمي لتحقيق برنامجها الرائد؟ ولماذا لم تبادر بتقليص حجم الميزانية العامة في مقابل توفير سيولة مالية ضخمة لمشاريعها العلمية؟! بل لقد حدث العكس تماما، اذ انها احالت تنفيذ البرنامج العلمي الجديد الى شريحة بحثية بمواصفات عادية متوفرة لدى غالبية الباحثين اليابانيين. وقدمت له ميزانية محدودة للغاية، دون ان تشعر مؤسسات المجتمع الاخرى بان الابحاث العلمية تشكل عبئا ماليا عليها، ودون ان يشعر الشعب بان الدولة قد قدمت الابحاث العلمية على حاجاته المعيشية الضرورية. والسبب في هذه الانسيابية الشديدة، وهذا التدفق الذاتي للابحاث العلمية هو ان هذه الابحاث لها مناخ خاص يفرض عليها ان تنمو من الداخل، وليس من خلال الهيمنة على مقدرات الدولة، او الانزلاق نحو تهميش الادوار الرئيسية الاخرى التي تتولاها الحكومة لصالح المجتمع. والشاهد الياباني له امثلة عديدة في دول اخرى لم تمنعها مشاكلها المالية من المنافسة في ميدان الابحاث العلمية. وهو موضوع البحث في الغد حيث نقف امام تجربة رائدة ابحاث الفضاء في العالم، التي اطلقت لابحاث الفضاء العنان رغم الوضع الاقتصادي المرتبك بل والمفزع الذي تعاني منه الدولة مما سيؤكد ان اكبر شروط الريادة العلمية هو توفر الارادة والايمان بالقدرة على الانجاز والنجاح في المهمات الصعبة، وقبول التحدي مهما كانت العقبات. وليس انتظار المعجزات لان زمن المعجزات قد ذهب الى غير رجعة!!