الجمعة 23 شوال 1423 هـ الموافق 27 ديسمبر 2002 اعتادت واشنطن أن تفتح أذنيها ـ مجبرة ـ أمام الردود الحادة والعنيفة القادمة إليها من كوريا الشمالية، ودربت نفسها على هذه اللغة وأكثر منها، ورغم الغيظ الذي يتملك الولايات المتحدة من الندية الكورية، الا أنها لا تجد مفرا من اللجوء إلى لغة الحوار. وعلى العكس تماما تفعل واشنطن مع العرب، فهي تتعامل معهم بعجرفة، وتهديداتها تسبق أي حديث عن الحوار. وفي المقابل درب العرب أنفسهم على هذه العجرفة وهضموها حتى ألفوها تماما، وتعودوا على تنفيذ الأوامر أو التهديدات القادمة إليهم من واشنطن، فهم ـ على خلاف الكوريين ـ لا يجرؤون على قول كلمة (لا) أو حتى مجرد التفكير فيها، لأنهم يعلمون أن الكاو بوي الأميركي لن يغفر لهم المجاهرة بهذه الكلمة. ومن وجهة النظر الأميركية بين كوريا الشمالية والدول العربية مشتركات كثيرة. فالدولة الكورية مارقة مثلما هو حال كثير من العرب، وهي مصنفة ضمن «محور الشر» كشأن كثير من العرب. والكوريون أيضاً يحتاجون ـ مثل العرب ـ إلى دروس في الديمقراطية الأميركية. اذا كان الأمر كذلك، فلماذا يلوذ العرب بالصمت أمام جرائم وتجاوزات الأميركيين بينما يرد الكوريون على الأميركيين الصاع صاعين؟ ان من يراجع تصريحات وردود القادة الكوريين الشماليين على الأميركيين خلال الأيام الماضية يصيبه الذهول من جرأة وقوة هذه الردود والتي تصل إلى حدود التهديد. ويتساءل هل مازال على كوكبنا من هو قادر على تحدي الصلف الأميركي بهذه القوة؟ ان لغة القادة الكوريين وهم يردون على الولايات المتحدة تكاد تتشابه تماما مع تهديدات أسامة بن لادن في جرأتها وصراحتها، بل ونوعيتها. فلقد توعد الكوريون الأميركيين بردود قوية وعنيفة ان فكرت واشنطن بالعدوان عليهم، حتى أن وزير الدفاع الكوري هدد الولايات المتحدة بتحويل جيشه إلى قنابل بشرية أي إلى «كاميكاري» على الطريقة اليابانية، أو إلى استشهاديين أو انتحاريين على طريقة ابن لادن. ولم يهتم الوزير بأن تتهمه أميركا بالارهاب، كما لم يهتم ـ مثلما يفعل العرب ـ بالدفاع عن نفسه. وإنما هاجم حيث يقتضي الموقف لغة الهجوم. ولو حاولنا أكثر الاقتراب من الظاهرة الكورية فسوف نجد بعض أوجه التشابه الذي يصل إلى حد التوأمة بين الوضع الكوري الشمالي والوضع العربي، سواء كان ذلك في المرآة الدولية أو في الحقيقة. فالنظام الكوري مثل أكثر النظم العربية تسلطي قمعي، لا مكان فيه للحريات العامة. واذا قلنا ان النظام السياسي الكوري يكاد يفتقد للمشروعية الشعبية فان هذا أيضا ينطبق تماما على معظم النظم العربية. بل ان نظام بيونغ يانغ كان الأسبق في توريث الحكم الجمهوري. ومن العرب من مضى على خطاه في هذا الطريق ومنهم من يطمع. ولكن هذا التشابه الشديد لا يلغي حقيقة الفروق الموجودة بين كوريا الشمالية كدولة وبين العرب كدول. وهذه الفروق هي التي تصنع الموقف الكوري الصلب، والمواقف العربية المتخاذلة: ـ امتلاك كوريا الشمالية لقدرات عسكرية تجعلها قادرة على مواجهة أي عدوان خارجي مباشر أو بالوكالة، وهذه القدرات لا تقف عند حدود القوة الصاروخية (وهو ما تشتهر به كوريا) فهناك شكوك أميركية حول امتلاك كوريا للسلاح النووي. وهذا السلاح قادر على الوصول إلى الاراضي الاميركية عبر ما تمتلك كوريا من صواريخ. ـ تمتع الكوريي#ون بارادة سياسية يسندها استقلال سياسي عن التبعية للولايات المتحدة. ـ الوضوح في تحديد العدو (الأميركي) والتعامل معه بما يناسب المصالح الوطنية. ـ قدرة السياسة الكورية على الاستفادة مما بقي من تناقض المصالح بين القوى الكبرى عبر الاحتفاظ بعلاقات قوية مع الصين وجيدة مع روسيا. وهذا كله لا ينطبق ـ ولو في واحدة منه ـ على العرب، فالدول العربية تابعة بدرجة أو بأخرى للسياسة الأميركية والقرار الاميركي، ففقدنا ارادتنا منذ زمن طويل، وسوف نستمر على هذا الحال زمنا أطول مع استمرار الاختراق الاميركي لمجتمعاتنا ومؤسساتنا، ومع استمرار فساد النخب السياسية العربية وخضوعها سياسيا وفكريا للولايات المتحدة. يضاف إلى ذلك خسارة العرب لاصدقائهم الكبار ـ حتى منهم من كان تقليديا في صف العرب ـ مثل الصين والهند وقبلهم الاتحاد السوفييتي. ويبقى الامل العربي في امتلاك القدرات العسكرية وخاصة السلاح النووي، ولكن امتلاك هذا السلاح يحتاج إلى ارادة سياسية قادرة على مواجهة كل اشكال الاختراق، ولكي يحدث ذلك لابد من تجديد شباب وتوجهات النخب العربية بما يحقق كل أشكال الاستقلال وانهاء كل أنواع التبعية للولايات المتحدة الأميركية. وإلى أن يتحقق ذلك سنظل نتلقى كل اللطمات الأميركية في أدب جم وربما لن تتوافر لنا الجرأة الكورية. كما لن تتوقف واشنطن عن معاملتنا كالهنود الحمر إلا إذا امتلكنا القوة التي ندافع بها عن أنفسنا ونواجه بها العدوان.. فهل نتعلم ونفعل؟