الخميس 22 شوال 1423 هـ الموافق 26 ديسمبر 2002 ما تواجهه دول الخليج من تحديات ليس خافياً، وما يواجهنا من أخطار نعايشها على مدار الساعة لم يعد سراً، اننا نلامس تحدياتنا في كل مكان، وهي تصدمنا وأحياناً تسخر من عجزنا على مواجهتها، والأسوأ حينما يكون هذا العجز نابعاً من جهل أو من لا مبالاة، إذ كيف نجهل خطراً يهدد بالقضاء علينا ثقافة ووجوداً، وكيف لا نبالي بكل هذا الشر المزروع في كل مكان والذي يتحدث عنه الجميع تحت عنوان خلل التركيبة السكانية؟! ضماناتنا أضعف من استحقاقات الأزمة، وجهودنا تسير على طريقة مشي السلحفاة، فهل نستهين بالخطر؟ أم ان ثقتنا بالمجهول أكثر مما يجب؟ صفحات كاملة في جرائدنا تمتليء يومياً بصور الهاربين والذين قطعت المؤسسات علاقتها بهم لأسباب مختلفة، والأنكى ان هناك مواقع على الانترنت تعلّم المحتالين والهاربين طرق التحايل على قوانين الهجرة والجنسية في الامارات.. وما خفي كان أعظم! لقد أعلن منذ مدة بأن تعداد سكان دولة الامارات قد تجاوز الثلاثة ملايين نسمة، فكم نسبة مواطني الدولة من هذا العدد يا ترى؟ وزارة العمل تكافح في حقل ألغام خطير اسمه مخالفي قوانين العمل والإقامة، وهؤلاء ليسوا أفراداً أو حالات تتحرك بعشوائية وعفوية، إنهم مافيا تحركهم أياد سوداء تستهدفنا وتضربنا في الصميم، إنهم يستهدفون الدولة ككيان سياسي، ويستهدفون المجتمع كبنى ثقافية واجتماعية، ويستهدفون الاقتصاد بالدرجة الأولى، ومن هنا يعلم المطلعون على خفايا السوق ومؤسسات الاستثمار والتجارة بأن قطاعات اقتصادية عديدة تقع تحت سيطرة الجماعات الآسيوية بشكل كامل. والملفت حينما تسيطر عرقيات اثنية محددة من هذه الجنسيات على قطاع معين عبر شبكة واسعة تتمدد في بلدان مختلفة ويصعب اختراقها تماماً. إن الحديث عن خلل التركيبة السكانية لم يعد حديثاً في التمييز ضد جنسية أو جالية بعينها، ولم يعد حديثاً في الترف والتنظير، ولم يعد شأناً يمكن تجاهله والعودة اليه ببساطة، إنه ما عاد الموضوع البسيط الذي يتناول أعداد الوافدين من الجنسيات العربية وتأثيراتهم على اللغة والعادات، المسألة أخطر من هذا التبسيط الخطير في حد ذاته!! لقد تحدث كثيرون عن هذا الخطر منذ سنوات، وشنت حملات صحفية كانت تستشرف الخطر القادم وما يحمله في طياته من بذور شديدة الانفجار وكأنها قنابل موقوتة، لكن الجهود التي تجاوبت مع تلك الصرخات كانت أقل من الطموح والأمل، وظلت وتيرة المواجهة بين مافيا التركيبة السكانية والتيار المنادي بالتصدي لها في تسارع مستمر، لكن الجهود على المستوى الحكومي لم تكن في مستوى تلك الوتيرة المتصاعدة، والأسباب كانت سياسية براغماتية في المقام الأول. في هذه الأيام ونحن نودع آخر قمة للتعاون الخليجي التي عقدت في الدوحة على مشارف انتهاء عام واستقبال آخر، نجدنا نبتلع أسانا واحباطاتنا مجدداً، ونحن نرى ان خطاب اعتذار كان يمكن تجاهله تماماً يلتهم من أقلام مثقفينا ومن لجنة صياغة البيان الختامي، ومن جهود الأمة أكثر مما يجب ويستحق، في الوقت الذي تواجه فيه شعوب ودول المنطقة أخطاراً ماحقة بكل معنى الكلمة دون ان تحظى بالذكر أو المناقشة أو حتى مجرد الاشارة.. نحن مستهدفون ومحاصرون وعدونا ليس خارج الاسوار، انه في الداخل، انه متغلغل في كل تفاصيل اقتصادنا واستثماراتنا وأسواقنا ومنازلنا وشوارعنا، ومع ذلك فنحن لانزال نمارس حياتنا وكأن شيئاً لم يكن. إن نسبة الـ 15% التي يشكلها سكان الامارات ضمن تعداد واحصائيات السكان المعلنة، لم تعد سراً قومياً، فكل الدلائل تشير اليه ببساطة، لكنه خرج من اطار كونه «خللاً» أو «أزمة».. انه كارثة بكل المقاييس، نحن لا نواجه «خلل التركيبة السكانية».. نحن في الحقيقة في قلب الكارثة.. «كارثة التركيبة السكانية»!