الخميس 22 شوال 1423 هـ الموافق 26 ديسمبر 2002 عندما تعرفت على يوسف ادريس لأول مرة كنت طالبا بالجامعة، وكان قد تخرج ويعمل طبيب صحة لا أذكر الآن أين، ولكن غالبا كان في حي الخليفة أو في مكان قريب منه، ولمن لا يعرف المكان كان ذلك حول قلعة صلاح الدين. وكان يكتب القصص ولكنه لم يكن قد أصدر مجموعته الأولى بعد وهي «أرخص ليالي» التي صمم على صدورها بعنوان «أرخص ليالي» وكان هذا الخطأ اللغوي جزءاً من دفاعه عن العامية وضرورة تطعيم الفصحى بها. وكنت أكتب ـ أيضا ـ القصة القصيرة. وفوجئت بانحياز يوسف ادريس إليّ، وكانت الصدمة هي في انحيازه حتى قبل أن يقرأ لي، فلقد قال لأصدقائنا: شكله أديب! وقد ضايقني هذا التعبير آنئذ، فالأديب بالتأكيد لا يصف شكلا، ثم أني لم أكن أرى في شكلي ما يميزني عن غيري من عامة الناس، وما زلت أرى هذا. وبعد أن توطدت علاقتنا كنت ألومه على ما قال فكان يضحك أحيانا ضحكته الهائلة، ويحاول أن يشرح لي وجهة نظره أحيانا، ولم تتفق وجهات نظره أبدا بل كان يقول في كل مرة شيئا مختلفا. ومع ذلك فمع الزمن لاحظت أن هناك علاقة بين وجدان الانسان وهيئته الخارجية، وأنك نادرا ما تجد تناقضا بين وجه الانسان وقلبه، وهكذا أخذت أقرأ في وجوه الأدباء قدر موهبتهم. ومنذ سنوات كنت في الجزائر أحضر مؤتمرا سياسيا وهو ما أحاول تجنبه بقدر ما أستطيع لولا أن المؤتمر كان في الجزائر وكنت مشتاقا لزيارتها خاصة بعد الأحداث المؤسفة التي مرت عليها. وفي هذا المؤتمر التفت اليه وأنا أؤكد لنفسي أنه أديب أو فنان رغم أن هيئته تبدو مألوفة وربما كانت كلاسيكية. وتعارفنا. بالطبع كنت أعرفه فالدكتور محيي الدين عميمور من كبار المثقفين العرب ونزعته العربية تثلج صدورنا. وكنت أعرف أنه ـ على عكس ما يظنه البعض ـ طبيب وأنه درس في القاهرة وهذا ما فسر لي اجادته للهجة المصرية. وأنه كان يعمل في منصب رفيع في رئاسة الجمهورية. وبعد أن تعرفنا عمل وزيرا للاعلام لفترة ليست طويلة كانت هي الفترة التي انقطعت العلاقات فيها بيننا. من ناحيتي لأنني أغلق الباب اذا ما أصبح أحد أصدقائي مسئولا، ولي في ذلك قصص طريفة، وتركت له الأمر فأنا أقدر ظروف الآخرين. ولقد عرفت عن ظروفه فيما بعد. وقال لي ذات مرة: تصور يا أخي أن تقابل صديقا وأنت تحت الحراسة! أريد أن أقول من هذا كله أنني أحسست منذ البداية أن هذا الرجل النحيل الذي يكتم عصبيته، وتراه دائما حاضر الذكاء حاضر الذاكرة، متوهجا هو أديب. ولا أعرف اذا كان الدكتور عميمور قد كتب روايات أو قصصا أو مسرحيات حتى الآن لكني في يقيني أنه يستطيع أن يفعل هذا. ولأدلل على ذلك بهذا الكتاب الذي قرأته والسنة 2002 تسير الى نهايتها البائسة وتبشرنا بعام أكثر بؤسا. وأظن أن الكتاب صدر منذ سنوات فلقد أرخ المؤلف المقدمة: 19 يونيو 1995 وانتهى طبعه في 11 يناير 1998 ولسوء حظي لم أدرك الكتاب عند صدوره، وهذه ظاهرة محزنة، وتتعدى حد الخوف الى الضرر عندما تكون في حاجة الى كتاب فلا تعرف إن كان طبع، وأين طبع. لذلك فأنا أقترح على الجامعة العربية أن تصدر مطبوعة فصلية تجمع الاصدارات في الوطن العربي كله، ولقد قلنا من قبل أن وسط هذه الأزمات التي نمر بها وحالة العجز العربي يصبح الدور الأساسي للجامعة العربية هو دور ثقافي، وأظن أن عمرو موسى مع هذه الفكرة. والكتاب الذي أريد أن أحدثك عنه عنوانه: «سفير.. زاده الخيال» يتحدث فيه الدكتور عميمور عن اختياره سفيرا للجزائر في باكستان. وبالطبع لم يكن أول سفير يكتب ذكرياته. لكنني أؤكد أن ما كتبه عميمور يختلف عن كل ما كتب من قبل. في هذا الكتاب اشياء كثيرة من أوضحها قدرة الأديب. ومع ذلك فلقد تآمر الكاتب نفسه على قدراته الأدبية عندما قدم لكتابه بما يمكن أن يكون كتابا آخر عن باكستان وعن العلاقات بين الجزائر والباكستان. فهو كسفير ـ وإن لم يكن محترفا ـ يريد أن يؤدي واجبه على أكمل وجه، ولا يغفر لنفسه ـ ولا غيره ـ الاخلال بالاتقان. ولذلك فهو يبحث في دأب عن كل ما يفيده في عمله الجديد ومن أطرف ما في الكتاب محاولته جمع القصص الغريبة التي قد تكون مهمة في عمله مثل ضياع ابن مرغريت تاتشر في صحراء الجزائر، وقصة سفير المجر الذي وصل الى الجزائر في سبتمبر 1968 وظل ينتظر ثلاثة أشهر لتقديم أوراق اعتماده دون جدوى، وكان السبب ضيق السلطات الجزائرية بالمجر لاحتضانها حزبا معارضا. وقصة سفير آسيوي الذي تجول حول مقر اقامة الرئيس أحمد بن بيلا عندما كانت اقامته محددة، فأطلقت الحراسة الرصاص على السفير. ومثل هذه القصص التي يرى المؤلف أنها مهمة ألم أقل لكم انه أديب! فصل طويل ربما وصل الى مئة وخمسين صفحة هو في حقيقة الأمر دراسة مهمة جدا عن باكستان وعلاقة الجزائر بها.ينتهي منها ليبدأ بخبرته كسفير في اسلام أباد. ومن الواضح أن المؤلف استفاد من الطب بالتحديد. فهو يعود الى كل الأسس، ويشرح القواعد ربما ليقاوم الاحساس الفني الذي يجعله يستخف بالتفاصيل. عندما دخل دار السفارة ودار الاقامة لاحظ أنه لا يوجد فيها ما يؤكد جزائريتها كآنية من الأواني، أو لوحة على الجدار، أو سجادة من الصناعات المحلية أو زربية كما تسمى في اللهجة الجزائرية. وتكتشف من هذا أن عروبة عميمور الواضحة في كل ما يكتب لا تتناقض أبدا مع جزائريته. إنه فخور ببلاده. إنه حتى لا يحس بالخجل عندما يقول له السفير الباكستاني في الجزائر وقبل سفره انه لا يجد محارم الورق (الكلنكس) في السوق. فالكاتب أكثر وعيا من أن تضايقه ملاحظة مثل هذه فالأوطان لا يصنعها (الكلنكس). وملاحظة السفير الباكستاني تؤكد أنه لم يدرك ظروف الجزائر، وبالتأكيد ولا ظروف باكستان. الكتاب هو دراسة سياسية وهو أيضا رؤية يحاول المؤلف اخفاء صورها الفنية تحت الملاحظات التي تلبس ثوب الجد. وكنت أعرف حب محيي الدين عميمور للفن عموما وكثيرا ما كتبت في هذا، وكثيرا ما تحدثنا فيه. لكن حبه للغناء كان واضحا في هذا الكتاب. فالاسم نفسه مأخوذ من أغنية عبدالوهاب عن النيل: «مسافر زاده الخيال»! وهناك فصل بعنوان آخر أغاني عبدالوهاب: من غير ليه؟ وهي الأغنية سيئة الحظ التي أنهت حياة عبدالوهاب وعبدالحليم. وأثناء كتابة هذا المقال قطع أحدهم الكتابة بمكالمة قال لي فيها لقد كنت حاضرا وعبدالحليم يحفظ من عبدالوهاب الأغنية في التليفون! واتفقت معه على أن نلتقي وأسمع منه القصة كاملة.. وعدت الى اكمال هذا الحديث. وهناك أيضا فصل تحت عنوان «التنفس تحت الماء». وأعرف أن استعارة هذه العناوين الثلاثة لا تعني ادخال كاتب الى عالم الفن أو حتى الى عالم الأدب. لكن لغة محيي الدين عميمور ودخوله الى أعماق ما يكتب والتقاطه للتناقض بين الأشياء.. كل ذلك يؤهله لكتابة الرواية. ولن أدهش لو أنني مررت بالمكتبة ورأيت فيها رواية معروضة للكاتب السياسي والمثقف والوزير السابق، وسيكون لي فضل أنني نبهت الى ذلك.