الخميس 22 شوال 1423 هـ الموافق 26 ديسمبر 2002 بعد انتظار طويل وتأجيل متكرر، كشف وزير الخارجية الأميركي كولن باول الاسبوع الماضي ـ للمناسبة هو أحد القلائل الذين يوصفون بالحمائم في ادارة بلاده ـ عن خطته لتغيير الشرق الاوسط عبر مبادرة وضع لها ثمنا ككل شيء أميركي، هو 29 مليون دولار (تزاد في المستقبل كما قال!)، لاصلاح البنى الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والسياسية في العالم العربي. العنوان هو مبادرة شراكة أميركية ـ شرق أوسطية . أما التفاصيل فلا تخرج في شيء عن الأهداف التي حددتها الولايات المتحدة لنفسها في المنطقة عقب 11 سبتمبر العام 2001، والتي تتلخص في فرض هيمنتها على العالم العربي تحت شعارات محاربة الأرهاب و نزع أسلحة الدمار الشامل وتنفيذ اصلاحات داخلية تجعل من المنطقة ساحة مفتوحة تماما وعن آخرها للعولمة، واقتصاديات السوق، والديمقراطية على النسق الغربي. قبل تفنيذ الخطة الأميركية، ومحاولة الرد عليها، لا بد من بعض الملاحظات التاريخية على الشكل التالي: أولا: ليس في الوضع الراهن للعالم العربي، لجهة فشل الأنظمة الحاكمة وانعدام الديمقراطية والحريات السياسية وغياب التنمية الحقيقية وبروز ما يوصف بالتطرف، ما هو منفصل عن انعكاسات حدثين كبيرين ضربا المنطقة في وقت واحد تقريبا، وكان الغرب بما فيه الولايات المتحدة مسئولا بشكل مباشر عنهما، بينما كانت بعض الدول العربية تذوق طعم الاستقلال لأول مرة في تاريخها الحديث فيما تناضل دول عربية أخرى من أجل أن تتذوقه. هذان الحدثان هما: 1 - انشاء اسرائيل بالطريقة التي تم فيها، وعلى حساب الكرامة العربية أولا وقبل كل شيء، بما في ذلك زرع جسم غريب في قلب المنطقة وتشريد الشعب الفلسطيني داخل أرضه وفي الدول العربية المجاورة، و2 ـ هبوب رياح الحرب الباردة بين الكتلتين الرأسمالية الغربية والشيوعية الشرقية على كامل مساحة منطقة الشرق الأوسط بما حملته هذه الرياح من استراتيجيات وسياسات وأدوات، وبالتالي انعكاسات تلك الحرب. احباط وانتهازية كان من نتائج الحدث الأول شيوع مناخ من الاحباط الجماعي، ليس في الشارع العربي ولدى نخبه ومفكريه وقواه السياسية فقط وانما لدى أنظمة الحكم والقوات المسلحة في هذه البلدان أيضا. وأدى ذلك في ما أدى اليه أن قفز ضباط من القوات المسلحة الى السلطة هنا وهناك، مع ما اقتضاه ذلك من توجيه كل القوى من أجل المعركة وتكريس كل طاقات الأمة لها، كما كانت تقول البيانات الرقم 1 لمجموعات الضباط الانقلابيين. تحت هذه الشعارات، بغض النظر عن الاستعداد للحكم على صدقيتها يومها، رحب الشارع العربي بالانقلابات العسكرية ـ وحتى بالمحاولات التي فشلت في هذا البلد العربي أو ذاك قبل أن ترى النور ـ وتحلقت جماهيره حول آمال وأحلام عراض طرحتها الأنظمة الجديدة بامكان نجاحها في يوم ما قريب أو بعيد في تحرير فلسطين.. واخراج الأمة من مرحلة الاحباط. وعمليا فقد كانت الديموقراطية، والحريات الفردية، والأحزاب السياسية، والنقابات المهنية، ومؤسسات المجتمع المدني، وحتى التنمية الاجتماعية الصرف، أولى ضحايا الاستعداد للمعركة في هذه الدولة أو تلك وحتى على امتداد المنطقة كلها، في الوقت الذي كان فيه الشارع العربي يتصور أن المعركة هي قضية شهور أو ربما أعوام فقط. ولم تكن نتائج الحدث الثاني، خاصة في ظل النفوذ الأميركي، والغربي عموما، في المنطقة العربية وعلى الكثير من أنظمة الحكم فيها، أقل من نتائج الحدث الأول لا في ما يتصل بالتنمية في هذه الدول ولا في ما يتصل بالديموقراطية السياسية والحريات الفردية والحزبية والنقابية. لا بل ان انخراط الدول العربية في سباق تسلح، كان العالم الخارجي بكل أطيافه وبرغباته في بيع انتاجه يشجع عليه، حال دون تحقيق أية أهداف تنموية اجتماعية حقيقية.. حتى حينما كانت توجد خطط علمية لمثل هذه الأهداف. وعلى سبيل المثال، ففي بلد مثل لبنان الذي كان محسوبا أميركيا وغربيا أكثر ديموقراطية من غيره من الدول العربية، ظل جواز السفر اللبناني حتى فترة متقدمة من الستينات يحتوي على عبارة صالح لكل بلدان العالم ما عدا بلدان الكتلة الشرقية، وكانت الأحزاب السياسية، القومية العربية والتقدمية، محظورة بموجب القانون وتتم ملاحقة أية نشاطات يقوم بها افرادها في الخفاء فيزج بهم في السجون. وحتى عندما قرر شخص مثل كمال جنبلاط صدف أن تسلم وزارة الداخلية وضع حد لهذه المفارقة، بازالة تلك العبارة المهينة من جواز السفر وبالترخيص للأحزاب القومية والتقدمية، فأنه لم ينج من حملة شعواء شنها عليه بعض أطراف النظام الذي كانت الولايات المتحدة ترشحه في تلك الفترة لعضوية حلف بغداد والحلف المركزي في مواجهة الاتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية.. وطبعا في مواجهة الأنظمة العربية الأخرى التي كانت تقيم علاقات تحالف مع الكتلة الاشتراكية وتناهض الحلفين المذكورين. الأسوأ من ذلك أن العالم العربي، الذي تنظر اليه الولايات المتحدة الآن على أنه عالم واحد وتضع خطة لتغييره أول دمقرطته أو لأقامة شراكة معه، كان في تلك الفترة عبارة عن عالمين منفصلين، او متقاتلين، على خلفية الحرب الباردة، وأساسا بأفضال الولايات المتحدة والغرب عليه في حربهما ضد الاتحاد السوفياتي من جهة ومن أجل حماية اسرائيل وتقويتها كذراع طويلة لها في المنطقة من جهة ثانية. ثانيا: في الفترة نفسها أيضا، كان العالم الغربي بدوله المختلفة داعما وحاضنا للاسلام السياسي بتياراته المختلفة، لسبب من اثنين أو للسببين معا: أما لأن هذا الاسلام كان يناهض أنظمة الحكم العربية التي تطرح القومية والوحدة ايديولوجية لها، واما لأنه كان يعارض علاقات هذه الانظمة مع الأتحاد السوفياتي والكتلة الشرقية. هذا الاسلام السياسي، الذي تتهمه الولايات المتحدة حاليا بأنه مصدر الارهاب وتعلن حربا شاملة عليه وتطالب بتغيير مناهج التعليم في الدول العربية في سياق هذه الحرب، وجد في العالم الغربي ملاذا له وملجأ ـ بل وحتى تحريضا على الاقامة وتحضير النفس ـ للعمل على احداث قلاقل واضطرابات في بلدانه الأصلية، وربما قلب أنظمة الحكم واستلام السلطة فيها. ولم يكن لجوء الشيخ عمرعبد الرحمن الى الولايات المتحدة الأميركية واقامته فيها نموذجا أخيرا أو فريدا في هذا الصدد، اذ سبقته نماذج أخرى لم تكن تخرج عنه. كان الاخوان المسلمون السوريون مثلا يقيمون في مدينة أخن بألمانيا الغربية، والاخوان المسلمون المصريون في مدينة ميونيخ، وكانت برامج زيارات الضيوف العرب لهذه الدول من الصحافيين وغيرهم تتضمن زيارة مراكز التنظيمين من أجل الاطلاع على انفتاح الغرب وتسامح ألمانيا الغربية بالذات مع اتباع الديانات الأخرى. وكانت بريطانيا، مثلا أيضا، ساحة مفتوحة لحزب التحرير الأسلامي الأردني ولمجموعات السلفيين السعوديين حيث كانت تقدم للاثنين حرية الحركة، فضلا عن الدعم المعنوي في نشر الأفكار وتنظيم الأتباع والمريدين. واجمالا فلم تكن دولة غربية واحدة بمنأى عن العمل مع هذه الحركات والتنظيمات، الى حد أن وصل الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريغان الى استخدام كلمة المجاهدين باللغة العربية في خطاباته وبياناته عن المسلمين الذين كانوا يشاركون مخابراته في محاربة القوات السوفييتية في أفغانستان. هدف ثابت ولنعد الآن الى مبادرة باول حول الشراكة الاميركية ـ الشرق أوسطية الجديدة. لم تتضمن المبادرة أي جديد عما دأبت الولايات المتحدة على قوله عن المنطقة، وعن العرب والمسلمين عموما، منذ الحادي عشر من سبتمبر العام 2001 في نيويورك وواشنطن. ومع أن مساعد وزير الخارجية وليم بيرنز استبق المبادرة باعلان أنها جزء من النقد الذاتي الذي تقوم به الادارة الأميركية الحالية لسياسات وممارسات الأدارات السابقة، فانه وضع في ذلك في اطار السياسة الأميركية التقليدية في المنطقة والتي لم تركز بما فيه الكفاية على هذه القضايا في السابق.. اذ من الواضح الآن أنه ليس كافيا مكافحة العنف والتطرف لمعالجة هذه التحديات، بل بناء أسس خطة اصلاحية ايجابية تشارك فيها شعوب وقيادات المنطقة. واذن، فمرة أخرى تعترف الولايات المتحدة علنا بأنها تعالج احدى نتائج السبب ولا تعالج السبب نفسه برغم قوله بعد ذلك ان الاهتمام بالقضايا الاجتماعية والتعليمية والاصلاح السياسي لن يكون على حساب جهود واشنطن لتحقيق أهدافها الأخرى في المنطقة مثل تسوية النزاع العربي ـ الاسرائيلي. أما أهدافها الأخرى تلك، على افتراض أنها ستنال الاهتمام الجدي في المستقبل، فهي مشوبة بغموض متعمد لا يجعل منها أكثر من مجرد كلام على الورق اذا نظر اليها من زاوية الدعم الكامل والمطلق لأشد عناصر التطرف والتوسع والأجرام في المجتمع الاسرائيلي : تكتل ليكود ورئيسه في هذه الفترة ارييل شارون، فضلا عن الأحزاب الدينية والتوراتية التي لا ترى في خططها سوى اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات. ولا تقول الأعمدة الثلاثة في المبادرة ( التعاون مع القطاعين العام والخاص لردم الهوة الكبيرة في مجال البطالة من خلال الاصلاح الاقتصادي، والانطلاق من مفهوم ان الاقتصاديات المفتوحة تتطلب اقامة أنظمة سياسية مفتوحة، والاصلاح التعليمي حيث سيتم التركيز على تعليم البنات وتوفير المنح التعليمية لهن) الا أن شعار الشراكة هذا انما يخفي بين ثناياه تدخلا سافرا من قبل الولايات المتحدة وشريكاتها ـ ربما اسرائيل من بينها ـ في شئون الدول العربية الداخلية: النقيض بامتياز لأي مفهوم للديمقراطية التي يجب أن تنبع من المجتمع في أي بلد من بلدان العالم، فضلا عن الحريات الفردية لناس هذا المجتمع والنظام السياسي المفتوح الذي يختارونه بارادتهم ولمصلحتهم كما يرونها. لا يقال ذلك دفاعا عن الأنظمة السياسية المغلقة التي تحدث عنها باول، فقال انها تحكم العديد من سكان المنطقة.. وتقيد مؤسسات المجتمع المدني وتراها خطرا عليها بدلا من أن ترحب بها كأساس لمجتمع حر وحيوي، بل لترديد الأسس والمبادئ التي قيل دائما ان الديمقراطية ترتكز عليها، وبينها اختيار الشعب ـ وليس شعب أو نظام أي بلد آخر ـ للنظام الذي يريد أن يحكمه، ثم أن يحكم هو نفسه من خلاله. لكن الولايات المتحدة تريد من المبادرة، تماما كما تريد من حربها المعلنة على الارهاب ومن غزوها المنتظر في أية لحظة للعراق، فرض هيمنتها السياسية والاقتصادية والمالية والتربوية والثقافية على المنطقة. هنا يتم فرض الهيمنة الأميركية بالشراكة، وهناك بالدبابة، وهنالك بالعمل المخابراتي، الا أن الهدف لا يتغير في أي من هذه الحالات. ـ كاتب لبناني